قصة قصيرة”ليت الماضي يعود”
ليت الماضي يعود

طلاب المدارس يتمازحون في الصباح، تلك الطفلة تسحب كلبها الصغير من سلسلة احاطت بها عنقه وهو يتبعها وامها طائعا ، في ناصية الشارع وقف عدد لايستهان به من القراءيطالعون (مانشيتات الصحف) وبعضهم يدفع ثمنها ويجلس بها في المقهى مستمتعا بها والقهوة، وهو هناك يجلس بكرسيه العتيق امام منزله الفخم، الخالي من الحياة ، الا من بعض اصوات الطيور والحيوانات التي كان يحرص علي تربيتها في شبابه ، فآنست الاجيال المتعاقبة منها وحدته حينما هجره من كان بعضه ولاحقوا امنياتهم وتفرقوا في انحاء الارض حتى خيل اليه ان خريطة واحدة يصعب عليها ضمهم ، تناثروا شرقا وغربا، يسال نفسه حين يداهمه الحنين أتراهم نسوا عروبتهم وتغربوا كما نسوه، هل كان الخطأ منه ام من الزمن والنفوس ، يوم قسم املاكه وهو حي كي لايتناحروا بعده، فكانوا كالطيور التى وجدت باب القفص مواربا ففردت اجنحتها وحلقت بعيدا.

اعتاد ان يحتسى قهوته صباحا امام المنزل يراقب الماره، عله يغير من طعمها ونكهتها ، باضافة احداث واناس لصباحه، يذهب بعدها متفقدا المصنع الاصل الوحيد الذى بقى له وصار مصدر رزقه كما كان بداية ثروته، يستنطق ماكيناته عن حاضره ، وجدرانه عن ماضيه، اما المستقبل فبات يخشاه .
في اطراف المدينة، كان يومها يمر  مابين واجباتها المنزلية وبين رعاية وحيدها، كان ومازال السبب في تحملها لصعوبات الحياة، لن تنسى يوم تركه لها زوجها وترك لها ذكريات ترفض ان تبارح ذاكرتها، وكيف لها ان تنسى رجلا فضلته علي جميع الرجال وقبلت بالبقاء كزوجة في الظل ، لتدفع ضريبة حبها له، إفتضاح امر زواجهما كان زلزال دمر حياتها ، فتعنت زوجته ، وتكبر امه ، منعاه من الوفاء بعهده ، خرج من حياتها ولم يبقى منه الا اموال يغدقها عليها ، ويوم في العام يراها وابنها، ثم انقطعت زياراته، فكانت تصلها انباء سعادته بتفوق ابنائه ، لحبها له كان تنسج قصص من خيالها لابنها تحكي عن روعة الاب وحبه الكبير لابنه، القت باللائمة علي اهله ، فصار والده من المقدسات عنده، كانت الفرحة لاتسعها يوم تخرج مهندس تصنيع .
في مصنعه لم يكن يستطيع مراقبة مايدور لتقدمه في العمر، كان يتذكر كيف ضحى لاجلهم باغلي البشر ، فتسيل مدامعه حسرة علي ماجنت يداه.

اصبح العمل في المصنع فجأة منظما ، كل الطلبيات تسلم في حينها، العمال والمهندسين شكلوا فريقا يصعب مجاراته، استدعى مدير الانتاج ليستجلي الخبر، حدثه انهم منذ شهرين عينوا عاملا غريب الاطوار، نشيط ومحب للعمل كما لو كان يمتلك المصنع استطاع ان يحفز العمال فاعتبروا المصنع ملكية خاصتهم فزاد الانتاج ، طلب مقابلته علي وجه السرعة ، رأه لم يدرى لحظتها الا باضطراب قلبه ، لم يستطع ان يحدد أمن الفرح ام المفاجأة ام حسرة علي قرار خاطئ لون حياته بالسواد، جعله يردد ليت الزمن يعود للوراء، لم يكن الا هو ذات الصبي الذي اخرج امه من حياته كسيرة الجناح.