نجوم مصرية
منتديات نجوم مصرية المنتدى العام منتدى الحوار العام الفلسفة والفكر والتنمية البشرية



الرجل المجهول ولغز الفرس ... قصة واقعية من طفولتي، تليها مناقشة باطنية

 

سأحكي للقراء الكرام قصة أحسبها واقعية. وقد كنت شاهدا على بطلها وهو يحكيها بنفسه في منزلنا، في إحدى سنوات السبعينيات من القرن الماضي.

كان هذا الرجل الذي يسمى "بنيوسف الدويري " صديقا لوالدي رحمهما الله ، وكان يقطن في تجمع سكني اسمه (إيسْت سرْسيرْIst Srsir ) يبعد عن قريتنا "أغبالو" ببضعة كيلوميترات في اتجاه الشمال الغربي.






وكان يزورنا بين الفينة والأخرى وخصوصا في أيام الثلاثاء التي تصادف انعقاد السوق الأسبوعي، ويتجاذب أطراف الحديث مع والدي حول المدفأة، ويتبادلان أخبار وذكريات السنوات والعقود التي مضت، وهما يشربان الشاي أو يتناولان الطعام .. وكنت أنا مجرد مراهق مهذب يستمع إلى الرجل في صمت وهو يحدث أباه في كل صغيرة وكبيرة .

ولا بد أن أشير في البداية إلى أنه كان رجلا عاقلا متزنا وجديا ورزينا، وذا سمعة طيبة، ولم يكن سلوكه يسمح لأي شخص من أهل البلد ، بأن يتهمه بالتجديف أو التخريف ...

قال لأبي ذات يوم وأنا أتابع الحديث الجاري بينهما : "سأحكي لك يا أخي محمد قصة غريبة عشتها ولم يسبق لي أن حكيتها لغيرك" ..

فاعتدل أبي في مجلسه ليستمع إلى ما سيرويه الضيف وأصخت بسمعي أنا أيضا لأن المقدمة شوقتني كثيرا .

بدأ قصته - التي ترجع إلى إحدى سنوات الستينيات فيما يبدو - قائلا إنه احتاج ذات مرة إلى قدر من المال ففكر في بيع فرس له عادية المظهر لم تكن - ظاهريا – تتميز بأي شيء عن بقية البهائم التي يملكها . فأخذها في صباح يوم ثلاثاء إلى سوق البهائم في قرية "أغبالو" ، ووقف بها هناك ينتظر من يتقدم ليشتريها.
فإذا برجل غريب يقترب منه ويسأل:

- كم اقترح عليك المُساومون ؟
- ستين ألف ريال (أي ثلاثة آلاف درهم)
-وكم تطلب أنت بالضبط ؟
- ثمانين ألف ريال.
- حسنا، خذها. (وأخرج رزمة من الأوراق المالية وبدأ يعدها لصاحبنا واحدة واحدة حتى استوفى المبلغ المطلوب). وأضاف قائلا : "ولكن من فضلك، أرجو أن تترك لي الفرس أمانة عندك وسأعود ".

فوافق البائع الذي فرغ من عملية البيع وأصبح مجرد مؤتمن على الدابة بصفة مؤقتة . وبقي ينتظر وينتظر إلى أن فرغ فضاء السوق من الناس ، فعاد بالفرس إلى منزله مقررا في نفسه أن يرجعها إلى صاحبها في يوم الثلاثاء الموالي (لأن سوق "أغبالو" أسبوعي ).

لم يترك له الرجل أي عنوان أو أثر يدل عليه. وهو أيضا من جهته، لم يخبر زوجته بأي شيء مما حدث . واكتفى بالقول إنه لم يجد ثمنا مغريا ومقنعا فرجع بالفرس ... ولكن بقي في نفسه ألف سؤال وسؤال حول هوية الرجل وحقيقته وتعامله الغريب معه.

لاحظت الزوجة أن زوجها أصبح يصرف على الأسرة ويشتري كل ما يحتاج إليه ، فظنت أنه استلف مبلغا ما ريثما يبيع الفرس.

وفي صباح يوم الثلاثاء الموالي وقف السيد "بنيوسف" في السوق مرة أخرى ينتظر الرجل ليسلمه فرسه...

وبعد فترة قصيرة انبرى فجأة من بين الجموع وقصده رأسا. وقبل أن يقول له السيد بنيوسف : " أين كنت يا رجل ؟ تعال وخذ فرسك" سبقه الرجل إلى الكلام متعمدا ومتجاهلا لكل ما جرى بينهما في الأسبوع الماضي :

- كم اقترح عليك المساومون ؟
- ذهل السيد بنيوسف وأجاب : ستين ألف ريال .
- وكم تطلب بالضبط ؟
- ثمانين ألفا.
- حسنا، خذها (وبدأ يعد له المبلغ كما فعل في الأسبوع المنصرم) والسيد بنيوسف مشدوه يتلقى الأوراق المالية ولا يصدق حواسه، كأن قوة ما تمنعه من توضيح الأمر للرجل ووضع النقط على الحروف. وسرعان ما استدرك الرجل المجهول قائلا : "ولكن من فضلك، اترك الفرس أمانة عندك وسأعود".

وتكرر السيناريو وبقي صاحبنا ينتظر، من باب الاحتياط، وتجنبا لشبهة الخيانة إلى أن فرغ فضاء السوق تماما كما حدث في المرة الأولى، فعاد بالفرس إلى الإسطبل.
عجبت زوجته لكونه لم يبع الفرس رغم محاولتين متكررتين .. وزادها عجبا أن ترى زوجها يصرف المال ذات اليمين وذات الشمال وكأنه كذب حين زعم أنه محتاج وأنه مضطر إلى بيع تلك البهيمة .. لكنها لم تفاتحه بشيء ...

وعندما ارتاد السوق للمرة الثالثة جاءه الرجل كالمعتاد، فتواطأ معه عن قصد وكأنهما يلعبان - بتفاهم كبير - دورين في مسرحية متفق عليها سلفا.

سأل الرجل "بنيوسف" كالعادة :""كم اقترح عليك المساومون ؟ "، فسمع منه نفس الجواب وهو "ستون ألف ريال". وجرت بقية الحوار كما هو متوقع . ثم أمره أن يترك الفرس عنده ريثما يعود واختفى في خضم السوق بين الجموع...

حار صاحبنا في أمر الرجل المجهول. فكيف لعاقل أن يدفع ثلاث مرات، ودون مقابل ، مبلغ أربعة آلاف درهم، (وخصوصا في الستينيات من القرن الماضي حيث كانت قيمة الأوراق النقدية مرتفعة ) ؟ لا شيء يشفع لهذا السلوك سواء تعلق الأمر بجد أم بهزل...

هل كان الرجل نصابا ؟
وكيف ينصب وهو يدفع ثم يغيب حتى الأسبوع الموالي ؟
وكيف يدفع المال ثلاث مرات متوالية وهو لا يضمن لنفسه أن يعود السيد بنيوسف مرة أخرى؟ . فقد يختفي إلى الأبد بعد الفوز بالمال والفرس، ومن يدري ؟

وحتى ولو عاد البائع فلا شيء يضمن للمشتري الفوز بالفرس ولا استرجاع ماله لعدم وجود دليل على التسديد ؟ ..

أم أن تصرفات الرجل كانت مجرد مقدمة مغرية ستتلوها عملية نصب من الطراز الرفيع ؟

ثم ما علاقة الرجل بالفرس أصلا ؟ ولماذا يهتم بها ، بهذا الشكل المريب ؟
لم يستطع السيد بنيوسف أن يجد أي جواب منطقي لهذه الأسئلة والخواطر.. وبدأت زوجته تمطره بالأسئلة على طريقة محقق قضائي وتلصق به التهم وتعبر عن شكها في نواياه وأهدافه. لكنه كان حريصا - بدافع مجهول - على كتمان حقيقة ما جرى..

وفي المرة الرابعة، وبينما كان يسير في طريقه إلى سوق أغبالو، التفت وراءه بالصدفة فوجد زوجته تقتفي أثره خلسة لعلها تكشف السر ... لقد أعوزها الصبر وأحرقتها الأسئلة فقررت أن تتبعه خطوة بخطوة دون أن يشعر بها، عسى أن تظفر بجواب شاف ...

انتظرها إلى أن لحقت به، وعاتبها على التجسس ناصحا إياها بالعودة من حيث أتت. لكنها رفضت رفضا باتا وصممت على مرافقته مهما يكن الثمن...

وهنا احتار الرجل وأمرها بالجلوس واضطر إلى مصارحتها بكل ما حدث من الألف إلى الياء رحمة بها وبنفسه.

لم تصدق أذناها ما سمعت. فقد كان غريبا جدا ومفاجئا . لكنها عادت إلى المنزل على كل حال .

وعندما وقف صاحبنا بفرسه في فضاء السوق للمرة الرابعة انتظر طويلا فلم يأت الرجل المجهول ...

فأدرك تلقائيا أن البوح بالسر هو سبب توقف هذه "الكرامة" إن جاز التعبير. وعاد حزينا إلى منزله رفقة فرسه التي لا تخلو من ألغاز هي الأخرى بسبب كونها محور القصة.. وبدأ يتساءل عن العلاقة بين الرجل المجهول والفرس وعن دلالة القصة برمتها وهوية الرجل ، وما إذا كان من الجن أم من الإنس أم من خلق آخر علمه عند الله .

هذه هي القصة كما وردت . وكما حكاها السيد "بنيوسف" لأبي ونحن نشرب الشاي في منزلنا. وقد عجب لها الإثنان كما عجبت لها أنا المراهق المستمع الهادئ.

لا أدري ما كان مصير تلك الفرس بعد ذلك، وما إذا كانت لا تزال في حوزته عندما حكى القصة لأبي أم لا . أستبعد هذه الفكرة الأخيرة . ولكنني أتساءل كم كان من الممكن أن يعود الرجل لشراء الفرس لو بقي الأمر طي الكتمان ؟ عشر مرات ؟ عشرين مرة ؟ أم أكثر من ذلك ؟ لا أدري .

ولماذا توقفت ظاهرة "عودة الرجل المجهول كل يوم سوق" بمجرد أن باح السيد بنيوسف لزوجته بما حدث له معه ...

ألا يعني هذا أن الرجل المجهول غير عادي بتاتا وأنه يعرف - عن طريق التخاطر أو الاستبصار - أو أي اتصال روحي (باطني) آخر ما جرى بين بنيوسف وزوجته ، ويعرف أن الزوج باح لزوجته وأسر لها بكل ما جرى ...

أم أن التوقف عن العودة كان مجرد صدفة لا تدل على شيء ؟

كل ما أستطيع تأكيده أن "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" كما جاء في الحديث النبوي . وأن السيد بنيوسف - حسب ما حكى لأبي في مناسبات أخرى- لم يكن رجلا عاديا، وكان يتمتع بعناية خاصة يلمسها بين الفينة والأخرى في ومضات مختلفة من حياته .

فهو على سبيل المثال، ذكر أنه صارع - ذات مرة - رجلا قويا معتدا بنفسه لم يكن أحد يجرؤ على منافسته في مجال المصارعة الحرة، وأنه هزمه بشكل فظيع أمام جمع غفير من الناس والوجهاء، مما جعل الرجل يمرض ويموت هما وكمدا.
وذكر مرة أخرى أنه كان بإمكانه الجري بسرعة فائقة وخارقة ، والقفز على مسافات كبيرة لا يستطيع كبار الرياضيين أن يقفزوا عليها. ولعل هذه القدرات -إن صحت - لها علاقة بالقصة التي حكاها لأنها تدل على "عناية خاصة" و"دعم باطني" كما يقال في مجال الروحانيات .

تعليقات وتساؤلات باطنية :

بعد حكي هذه القصة – نود أن نطرح - دون لف ولا دوران - سؤالا مباشرا يقول ؟ هل يمكن أن يظهر في أي مكان من الأرض شخص مجهول هكذا بشكل فجائي دون أن نعلم مصدره والمسلك الذي خرج منه ؟

بعض المهتمين بالحضارات الفضائية والأطباقيون Les soucoupistes تحديدا يقولون إن هناك غرباء فضائيين قد يأتون إلى أرضنا هذه للقيام بمهام كثيرة منها ما هو ذو طبيعة روحية، ومنها ما هو ذو طبيعة علمية تجريبية ، وينتحلون شخصيات بشرية ، وقد يخاطبوننا بألسننا وكأنهم منا، ويستخدمون أجساما كأجسامنا تماما لأن حامضهم النووي ليس مقفلا verrouillé ، بل يمكنه التشكل والتغير.

أما المتصلون بالباطن الديني فيقولون : نعم . هذا بالإمكان ... وهذا الدور أو هذا التجلي يمكن أن يقوم به أحد الملائكة ، أو الخضر ، أو شخص من الجن أو الشياطين ، أو شخص آخر مجهول غير كل هؤلاء لا نعلم عنه أي شيء . (وما يعلم جنود ربك إلا هو ) .

فأما الملك فيمكنه أن يتجسد في صورة بشر ، ويتكلم بكلام البشر ، دون أن يعلم الناس شيئا عن حقيقته فيقوم بأدوار متعددة . وقد ورد هذا الأمر في كثير من الكتب ذات المرجعية الدينية. ويكفي أن نذكر دخول جبريل وميكائيل على النبي داود (عليهم السلام جميعا ) في صفة رجلين مختصمين يطلبان منه أن يحكم بينهما بالحق . .

وأما الجن والشياطين فقد ورد في بعض النصوص الدينية المرجعية أنهم يتجسدون ، فسليمان عليه السلام كانت الشياطين تخدمه وتغوص له وتبني المحاريب والقدور الراسيات وغير ذلك، وهذا لا يتأتي إلا إذا كانوا حاضرين بأجسام مادية ....

وورد في الحديث النبوي أن الشيطان تشكل يوم بدر في صورة سراقة بن مالك ، لنقرأ :

"جَاءَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ : لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ، فَلَمَّا اصْطَفَّ النَّاسُ ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ . وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ إِلَى إِبْلِيسَ ، فَلَمَّا رَآهُ ، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ ، فَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا سُرَاقَةُ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ ؟ قَالَ : (إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وَذَلِكَ حِينَ رَأَى الْمَلاَئِكَةَ" . رواه الطبري في "تفسيره" (13/7) .

وورد في حديث نبوي آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم تمكن من شيطان كان يريد أن يقطع عليه الصلاة وهمّ بأن يربطه بسارية من سواري المسجد لولا أنه ذكر دعوة دعا بها النبي سليمان ربه ... ولا يمكن أن ينجح هذا الربط الذي همّ به النبي (ص) إن لم يكن العفريت في جسد مادي يمنعه من الهروب والتبخر. يقول نص ال حديث :

" إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان : " رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ، فرددته خاسئا ".(حديث متفق عليه ).

ويمكننا أن نسأل في هذا المقام: ومن أين أتى هذا العفريت ؟ وإن كان يعيش فوق هذه الأرض فأين بالضبط ؟ وبأي جسم يعيش ؟ وهل ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم بجسم بشري أم بجسم مادي مختلف عن الجسم البشري وخاص بالطبيعة الجنية ؟ وإن كان قد قدِم من مكان بعيد فكيف وصل إلى أرضنا هذه ؟ وهل الجن يطيرون ؟ وهل يختفون في مكان ليظهروا فجأة في مكان بعيد ؟ وإن كان هذا بالإمكان فلماذا لم يتبخر العفريت الذي أمسك به النبي (ص) ؟ وإن كان يعيش في بعد آخر مواز ، فكيف خرج إلى عالمنا هذا بجسم مادي يقيد حركته ويمنع هروبه ؟

لقد أفاض الصوفي أبو بكر الشبلي (861-945) في الإجابة عن مثل هذه الأسئلة في كتابه الشهير "آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان" ، مع ذلك فكثير من علماء الإسلام اختلفوا معه ولم يقتنعوا بكثير من النصوص المرجعية أو قاموا بتأويلها على وجه مختلف ... ومنهم من أنكر مس الجن للإنس جملة وتفصيلا ، ومنهم من أنكر جصول زواج بين الإنس والجن ، ومنهم من أنكر أن يكون هناك علاج للمس اسمه الصرع L'exorcisme.. ومنهم من قال إن الجن موجودون حقا وإنهم عبارة عن كائنات واعية عاقلة مكلفة ، مخيرة بين الإيمان والكفر والطاعة والعصيان، ولكنهم يعيشون في عالم بعيد ومعزول يجعل التفاعل والتأثير مستحيلا بينهم وبين البشر ...

ومن الباحثين والمفكرين المحسوبين على الإسلام من بالغ فاعتبر أن الجن والملائكة مجرد مجازات ورموز ، وليسوا عبارة عن كائنات واعية .وربما كان الهدف هنا هو عقلنة مزعومة للدين من أجل تسويغه للعقلانيين والحداثيين .

بعد هذه الفرضية التي تتمحور حول الجن والشياطين تأتي فرضية أخرى مفادها أن بالإمكان أن يقوم بهذا الدور أو هذا "التجلي المفاجئ" شخص مسؤول في الباطن ، يسمى عند المسلمين بالخضر ، أو "الأخيضر" أو "الخضرون" ويسمى عند المسيحيين "سان جورج" Saint Georges ويقولون (أي المسيحيون) إنه يظهر ويختفي في الكنائس بشكل فجائي ويعطي علوما ووصايا ، ويسمى عند الهنود "سانات كومارا" ويسمى عند الفراعنة "الرجل الثالث " . ويقول كثير من الصوفية المسلمين إنهم قد التقوا به وكلمهم أو أوصاهم بشيء ، أو أعطاهم شيئا أو دفع عنهم خطرا الخ ......

وقد استقرت آراء بعض الباحثين في المجال الباطني على أن هذا الكائن يتجزأ ويتعدد ، ويظهر ويختفي كأنه في كل مكان وكأنه ليس في أي مكان ، وكأنه فرد واحد وكأنه أمة ، تطوى له الأرض ، وقد يخرج من الفجاج ( أي مسالك البعد الخامس التي تخترق الأرض ) أو من البوابات النجمية ، ويعرف كل ثقافات وحضارات الأرض وكل الألسن والعادات والتقاليد وكأنه شاهد على الأمم كلها بل وعلى الأفراد.

وفي التقليد الإسلامي هناك نصوص علاقة باللون الأخضر، وهناك حديث وردت فيه صلته بهذا اللون يقول :
"إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء ، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء ". (صحيح البخاري. (ج 2. ص 34) ..

وحتى ولو اختلف المفسرون المسلمون حول لفظ "الفروة " الوارد في هذا الحديث وما إذا كان يعني "الحشيش الأبيض، اليابس" ، أم "الأرض البيضاء التي لا نبات فيها" ، أم " فروة حيوان مدبوغة" فإن هذا لا يمس في شيء الحقيقة القائلة : إن الخضر له علاقة باللون الأخضر.

وربما دعا هذا بعض الباحثين إلى أن يفكروا في أن يكون "الخضر" شخصا أو أمة من الفضائيين باعتبار أن الفضائيين يطلق عليهم في أفلام السينما وأدبيات الإيفولوجيا L’Ufologie اسم : "الرجال الخضر" ، وكذلك باعتبار أنه سبق اكتشاف طفلين في أسبانيا خرجا من كهف وكان لون بشرتهما أخضر ، فمات الولد وعاشت البنت لتتعلم اللغة البشرية وتقول إنها وأخاها جاءا من عالم آخر مادي فيه عمران وحضارة ومخلوقات ....

ويقول المتصلون بالباطن إن الخضر مكلف بأرض محجوبة عنا تسمى "الأرض المباركة " ، تربطها بأرضنا هذه فجاج أي مسالك لا مرئية في البعد الخامس ، وتوجد فيها (أي الأرض المباركة) الأجسام الأصلية لجميع المؤمنين الذين يعرفهم الخضر واحدا واحدا . و تعتبر تلك الأرض جزءا من البرزخ لأن المؤمن إذا مات أو قتل يلتحق بها مباشرة بعد الوفاة ليتمتع هناك في انتظار قيام الساعة. وذلك مصداقا لقوله تعالى :

"وَلَا تَحْسَبَنّ َ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ". الآية 169. أل عمران .

ويقولون أيضا إن الخضر يظهر في صورته الأصلية (الرسمية ) على شكل رجل شيخ يرتدي لباسا أخضر ، إذا ما التقيته عرفك على الفور وناداك باسمك ، وقد يلعب دور متسول أو رجل يسأل عن وجهة ما، فلا يعلم المتصل به حقيقته الغيبية أو الباطنية إلا بعد أن ينصرف وقد لا يعلمها بتاتا . ولكن له ظهورات كثيرة على الأرض يتنكر فيها ويتخذ صورة معروفة لدى الإنسان الذي يخاطبه. فيحدث المرءَ وكأنه أبوه أو أخوه أو قريب له أو أحد معارفه، ويرتب الأمر ظاهريا وباطنيا بحيث لا يشعر أي واحد من الطرفين بانطلاء الحيلة عليهما ، كأن يصرف نظرهما وانتباههما عن التدقيق ومراجعة الأحداث حتى لا ينكشف تدخله . .

ويقول بعض الباحثين إن الخضر عندما يتنكر لا يظهر أبدا في صورة امرأة ، وإنه لا يموت إلا يوم القيامة لأنه شرب من عين الحياة ، ويقول آخرون بأنه مات .
.
والعلوم الباطنية تقول إنه صاحب موسى - عليهما السلام - المذكور في سورة الكهف والذي كانت لديه علوم المثلث، وإنه مسؤول في الباطن، يلقب برمح الإسلام (بالمعنى العام للفظ إسلام) ، ويوجه ويرشد، ويدفع الأخطار والأضرار عن المؤمنين تماما كما دفع المصادرة والغصب عن سفينة المساكين (كما تروي سور الكهف ) ودفع الطغيان والكفر عن والدي الغلام الذي قتله، ويرعى مصالح المؤمنين ويحرس ممتلكاتهم تماما كما رعى كنز اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحا ، بإقامة الجدار فوقه ، ويلهم الباحثين عن الحق والحقيقة عن قرب أو عن بعد ( بواسطة التخاطر أو الرؤيا أو الإلهام أو الهواتف الروحانية )، وينفذ الأحكام الشرعية (الظاهرية والباطنية ) بطرق قد لا نحس بها ولا ننتبه إليها.

وتقول العلوم الباطنية الأعماقية إن الخضر كان نبيا في الفترة التي تلت الطوفان، وإنه هو الذي قتل الدجال L’Antéchrist في تلك المرحلة لأن الدجال أوقد "النار المقدسة" في الهند بعد الطوفان بخمس سنوات ، أملا في أن تحل محل النور الذي يستمد منه المؤمنون ، وادعى الألوهية ، وعبده الفراعنة القدماء بعد أن أطلقوا عليه اسم "رع" إله الشمس المزعوم. ومن أوجه المناسبة هنا أن الشمس طبيعتها نارية ، وأنها تذكرنا بالنار التي أوقدها الدجال في الهند..

فالدجال عدو للخضر ، وعدو لعيسى عليه السلام الذي ذكر في مصادر أخرى أنه هو الذي سيقتل الدجال مرة أخرى في "باب لد" بفلسطين، وذلك في آخر الزمان ..

ومعنى هذا أن قوى الدجال الباطنية قد تشتغل في عصرنا هذا، بمختلف الأشكال تمهيدا لظهوره في آخر الزمان ....

وإذا شئنا الفهم من خلال الواجهة الرمزية ، فالخضر له صلة بالخضرة والحياة وذكر في سورة الكهف مقترنا بالحوت والبحر ، وعيسى له صلة بالماء والحوت والحياة (لأنه أظهر معجزتي إحياء الموتى ، وبث الحياة في الطين ) ولأنه روح (والروح لا يقهرها الموت ) ، أما الدجال فله صلة بالنار والدخان اللذين يحاربان الخضرة والماء، عن طريق الحرارة الزائدة والتلوث الذي يفسد الطبيعة ويشتغل (أي الدجال ) باطنيا ضد "الخط الأزرق النوارني الملائكي " الذي عرف به عيسى عليه السلام وضد "الخط الأخضر النوراني" الذي عرف به الخضر عليه السلام .

أعود الآن إلى فكرة الفرس ، وأتساءل: هل يمكن أن يكون فيها سر ؟ ... الجواب الباطني يقول إن الخيل أصلا فيها أسرار ، فالحديث النبوي يقول إن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ولكنه لا يفسر كيف ؟ وما المقصود بالخير ؟ هل هو المال أم الجاه أم النصر أم السلطة والنفوذ أم الحظ أم كل هذه الأمور مجتمعة الخ ؟
ويقول أهل الكشف والأسرار إن هذا العصر الذي نعيش فيه يسمى باطنيا عصر "قوى النار" ، ويسمى عند الهنود عصر " الكالي يوغا" ، أو عصر "الحديد والنار". فهو إذا ، عصر ذو صلة بالدجال. ويضيفون أن كثيرا من مستجداته ملغومة ، وكثيرا من ثمراته الحضارية والمعرفية مسمومة ، بسبب تدخل "الفكر الدجالي" فيها . وهو "فكر" أو "منطق" يقلب كل شيء إلى نقيضه ، حيث يظهر الخير وكأنه شر ويظهر الشر وكأنه خير، فيرتبك الإنسان ويخلط بين الخبيث والطيب .

ومن جهة أخرى فالخيل لها صلة باطنية بالنبي إبراهيم عليه السلام ، الذي يقول المتصلون بالباطن الديني إنه اشتغل في الخط الأخضر ، خط الصلاة والدعاء ، والتوحيد ومضادة الشرك . أو الخط المضاد للقوة الخضراء الكامنة في الأهرام والكامنة في الطلاسم والأصنام والمتصلة بالمشركين باطنيا...

ومما يؤشر على علاقة النبي إبراهيم عليه السلام بالخط الأخضر أنه حطم الأصنام المتصلة بالشرك وبالقوة الخضراء كما ذكرنا ، وأنه أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ، ليقيموا الصلاة والصلاة مصنفة في الخط في الأخضر ). ودعا الله أن يرزقهم من الثمرات. وهو ما يعني أن تعم الخضرة المكان، وتخرج البراعم والثمرات ، فكان له ما طلب.... وخرج الخط الأخضر إلى الظاهر متجليا في ظواهر طبيعية خضراء اللون ....
فالأمر واضح إذا ...

بقي الآن أن أشير إلى وجود نوع من المناسبة بين عودة الرجل المجهول إلى السوق ثلاث مرات ، وبين يوم الثلاثاء ، وبين المثلث الذي له علاقة بالخضر . فالخضر مكلف بعلوم المثلث ، وسبق له أن أعطى لموسى فكرة عنها من خلال ثلاثة عناصر ذكرها القرآن في سورة الكهف وهي : السفينة والغلام والجدار."

ومع ذلك فلا أستطيع الكشف عن خبايا القصة التي كانت مناسبة لهذه التعليقات والتساؤلات ، قصاراي أن أطرح مجرد فرضيات ونظريات.. ولكنني أجزم أن صاحب القصة كان له سمت ووقار، وكان يتسم بالجد ويحظى باحترام واسع في أوساط قبائل المنطقة.. وهو لا يسعى إلى اكتساب مكانة روحية غير مستحقة كما يفعل الدجالون والمشعوذون عندما يختلقون قصصا وهمية عن الكرامات والبركات والعناية الربانية.

وقبل ذلك وبعده فهو يعلم جيدا أن أبي عدو لدود للخرافات والشعوذة، وأنه قد لا يستسيغ مثل هذه الحكاية، وقد يسيء به الظن وينتقص من قيمته ويعتبره دون قدره. فما مصلحته إذا في أن يكذب أو يختلق ما لا يعجب المستمع ويصعب أن يصدقه عقل متزن ؟ .

لقد سمعت هذه القصة بأذني وشاهدت صاحبها يحكيها، وكان أبي يستمع إليه باهتمام ينم عن التصديق .. ولذا قررت أن أحكيها لكم أعزائي ، "كما وردتْ"، على طريقتي الخاصة بطبيعة الحال، لكنني وفيّ للصيغة الأصلية بقدر المستطاع.... الاستاذ المحجوب








المقال "الرجل المجهول ولغز الفرس ... قصة واقعية من طفولتي، تليها مناقشة باطنية" نشر بواسطة: بتاريخ:



اسم العضو:
سؤال عشوائي يجب الاجابة عليه

الرسالة:


رابط دائم

مواضيع مشابهة:
طفولتي فالشيبسي
ننشر نتجة الفرز فى أول 10 لجان تنتهى من الفرز على مستوى الجمهورية و أكتساح للسيسى
عيناكِ .. أعادتني الى طفولتي
اغرب حالة انسان في التاريخ قصة واقعية ادوارد موردراك الرجل صاحب وجه الشيطان ووجه الملاك


Powered by vBulletin Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة © nmisr.com نجوم مصرية