قصة قصيرة-مخالفة ضد الحنين

عندما أدار محرك سيارته ،في رحلة الأوبة من عمله في تلك الشركة المعروفة ، لم يك يتخيل أن الزحام في الشوارع قد بلغ مداه، لقد اعتاد عليه يوميا ، لكنه اليوم قرر أن يتجنبه ؛ فحرص على إكمال أعماله قبل وقتها ، موفرا على نفسه نصف ساعة؛ علها تعينه في الوصول لمنزله الفخم الذي اختاره طواعية أن يكون في ضاحية الخرطوم ؛ طلبا للهدوء وهروبا من ضجيج السيارات والمارة . لاذ بهواء الأرياف النقي مودعا أبخرة المصانع وأصوات ماكيناتها ، اختار أن يمتع ناظره بالظلال الوارفة بدلا عن غابات الإسمنت التي تقتحم عينيه طوال النهار.

كان حبه للريف تعويضا عن مشاهد افتقدها في طفولته الباكرة، يذكر جيدا كيف أتى إلى الخرطوم برفقة والده وجدته لابيه ؛ طلبا لعلاجها، فوافتها المنية بعد أسابيع من دخولها للمشفى ، كان وحيد والديه ، اكتفى والده بتربيته بعد أن فقد امه ، في اثناء ولادتها لطفلها الثاني ، تعرضت لمخاطر جمة؛ بسبب اللجوء للولادة المنزلية ؛لبعد قريتهم آلاف الاميال عن اقرب مدينة إليها، لم تفلح معها محاولات القابلة والمساعد الطبي ، الذي يقبع في المركز الصحي الوحيد في تلك النواحي ، أمضى أكثر من عشر سنوات ، يمارس مهنة مداواة مرضاه اجتهادا، لم يسبق أن تم استدعائه من قبل وزارة الصحة
؛ ليخضع لاي تدريب حديث، لذا فارقت مريضته الحياة ، قبل أن يصرخ مولودها، فغادر معها كأنه ، راى مأساة أهله ؛ ففربجلده.

طافت ذكريات افتراشه ووالده للأرض بمخيلته، فهما يشتريان البصل من التجار في سوق الخضار؛ ليبيعاه (بالكوم) في مدخل السوق للمارة الذين يكونوا في عجلة من أمرهم، فكان يجلب لهما نقودا بالكاد تسد الرمق وتكفيهما مشقة السؤال. نفس مدخل السوق كان محل نومهما ، يتسامران حتى وقت متأخر من الليل، ينامان بضع ساعات وتشرق الشمس مجددا؛ لتدور نفس الدائرة وذات المعانأة بتفاصيلها.

كان يذهب للمدرسة الحكومية احيانا ويتغيب أحاين اخرى لكنه لم يتركها، كان يجيد التوفيق بين دروسه ومساعدة والده الذي أمتلك كارو، يبيع به الماء في الأحياء الطرفيه ، تعلم مهنة والده الجديدة ، فصار ساعده الأيمن ، يذاكر صباحا، ويعمل عصرا .

في سنوات دراسته الجامعية ، كان كثير الأصدقاء ، يساعدونه في المحاضرات ، ويدفع عنهم تكاليف وجبات الفول والطعمية باعتباره الطالب الوحيد الذي يعمل من بينهم، فكانت مذاكرته لدروسه ليلا مما ساعده للتخرج السريع .

ذهب ذات مرة ، حاملا الماء لبعض الزبائن في ذلك الحي الراقي، حدث و انقطعت عنه المياه إسبوع كامل ، فكانت فرصة سانحة للتعرف على سكانه، وصاروا يطلبون منه الماء بالهاتف، كلما واجهتهم ذات المعضلة، هذه المرة طلبتها سيدة يعمل ابنها مدير حسابات بشركة كبرى، فدعت له بالتوفيق ، فداعبها ادعي لي بالوظيفة العالية ياخالتي ، فسألته مستفهمه الوظيفة تتطلب دراسة وسهر مثل مافعل ابني منير؟!! ، فرد عليها خالتي انا خريج محاسبة جامعة السودان الا أن ظروفي تعاندني فأكتفيت بهذا العمل ، قال ذلك وضرب حماره مبتعدا.

حنين
منزل

بعد إسبوع اتصلت عليه ، ذات المرأة ، ففرح هاشم لما ورد اسمها في شاشة هاتفه، فهي كريمة وتمنحه أكثر مما يطلب، لم تكن تريد الماء، كانت تطلب إليه أن يأتي عصرا حاملا شهاداته ، لتعرفه بابنها.

باجتهاده حقق سمعة طيبة وسط رؤسائه ، فكان يترقى بسرعة مقارنة بزملائه، تؤكل اليه كل المهام الصعبة؛ فينجزها في سرعة البرق، في سنوات قليلة حقق الكثير من الأمنيات ، إلا حلما واحدا استعصى عليه، هنادي زميلة الدراسة ، وحلمه الذي يخفيه حتى عن نفسه، كانت جميلة كما القمر، ذكية وبشوشة، كانت لا تخفى ميلها إليه ، بل حدثته مرة انها لن تتردد إ ن تقدم إليها زوجا مثله، فصدها وتمنى لها التوفيق، وضع حائلا بينهما ، أسماه عدم التفكير في الزواج ، كان يتجنب الحديث معها وهو من يحترق شوقا لرؤيتها، عندما امتلك ما يعينه على طلب يدها، كانت تزف لصديقه حاتم ، الذي لا يتفوق عليه بشئ إلا معرفته لما يريد فيتجه نحوه بلا تردد، يومها عض بنان الندم ، تمنى لو لم يصدها ، لأنه قدمها علي طبق من ذهب لصديقه رغم تعلقها به.

قصة قصيرة-مخالفة ضد الحنين

في منتصف سيره نحو المنزل، توقف عند شارة المرور، نزل مسرعا وترك باب السيارة مفتوحا، ركض خلف صبي يبيع أعلام السودان بمختلف الأحجام، طرق كل نوافذ السيارات ولم يشتر منه أحد، لاحقه ليشتري كل بضاعته، لكنه لم يدركه ، فقد كان يركض أمامه بسرعه كمن يفر من الموت، تعب وتصبب عرقا، لم يفق الا على صوت أبواق السيارات يخترق طبلة أذنه ، تتبعها لعنات أصحابها، (ياغبي ، أين تعلمت القيادة، مجنون، يامخبول) ، اعاده مشهد شرطي المرور ، يقلب في دفتر المخالفات أمام سيارته للواقع، لم يكن يلاحق إلا من اشتاق لرؤيته، الصبي ذاته الذي مازال يحمل براءته حتى الآن بداخله.