المرأة في أدب البطران

في عصر اتسم بالسرعة في كل شئ بات رواد القصص الطويلة والروايات المفصلة في تناقص في مقابل قراء القصة القصيرة والقصيرةجدا والاخيرة استطاعت ان تجد لها حيز جيد في مجتمع يتردد قبل ان يتقبل اي شئ حديث وخارج عن النمط الذي اعتادوه.
القصة القصيرة جدا مع محدودية كلماتها استطاعت ان تجذب القراء وتستحوذ علي اهتمامهم طالما اجاد كاتبها التكثيف والبناء واختار لها قفلة مدهشة تصدم القارئ فاستحقت اسمها القفلة الصادمة والكاتب الذي نحن بصدد تناول نصين من نصوصه اجاد وتمكن في كتابة القصة القصيرة جدا عالية الترميز ونصوصه تحفز خيال القارئ ليعمل التفكير للوصول للهدف والمغزى دعونا ندلف للنصين ونتدارس معا المرأة في كتابات الاديب حسن البطران ولوعي الكاتب بانها نصف المجتمع واهمية ان تأخذ مكانتها وحقوقها افرد لها مساحات شاسعة في نصوصه سواء الرومانسية منها او الاجتماعية ففي النصين نجد انه ناصر المرأة ولم يتخلى عنها قلمه البارع حتى في حالة كانت الجانية لتستطيع تعديل مسارها في المستقبل وتكون عظة لغيرها فيجتنب مسلكها .الكاتب متمكن من ادواته ويتمتع بحس فني عالي تمثل في اختياره لمفردات انيقة وغير مستهلكة وان كان يعاب علي قلمه شئ فهو الصفوية لانه يمتاز بلغة عالية الترميز تستصعب علي القارئ العادي وسندرك الجماليات التي تمتع بها النصان حال ابحارنا في عالم حسن البطران

النص الأول :
( شرعية الهدف رغم تسلله )

صراخها عال ، ربما يمزق الملاءة التي تتلحف بها ، ألم المخاض أتعبها.
ضيفها الجديد حان وقت زيارته ، لا تعرف هويته ، وحتي أباه تجهله!لكنه رغم المسافة صراخها تسلل إليه.
……….
العنوان كمدخل للنص يثير تساؤلا كبيرا في نفس القارئ فالهدف الناتج عن التسلل لايحسب ويتم الغاؤه لمخالفته لقانون ولوائح تنظم اللعبة المعينة ولكن كيف لهذا الهدف الذي تسلل محرزه خلف دفاعات خصمه الحصينة ورغم ذلك يحسب شرعي وله وجود ويشكل قيمة قد تغير مجريات الاحداث نفعا او ضررا.
ندلف للنص لنرى عبر الدلائل القوية التي صاغها الكاتب رغم رمزية النص العالية انه يصف حالة امرأة في لحظات وضعها لمولودها الي هنا والحدث يبدو عادي فعلي مدار الثانية يولد طفل جديد .الغير عادي هنا ان هذه الام تتألم وتصرخ وتلتحف ملاءة وطالما غاب وصف ماحولها من غرف الولادة الحديثة والاطباء ولحظات الترقب من الاهل والاصدقاء بالخارج يتضح انها تعاني مخاضها وحدها فلماذا ؟لايدعنا الكاتب ننتظر طويلا في حيرة بل يجيبنا بان ضيفها الجديد ويقصد به طفلها الذي علي وشك ان يخرج للدنيا مجهول الهوية ومجهول النسب لاتعرف هوية والده فهي اما بائعة هوى يتردد عليها العديد من الرجال او انها مغتصبة وضحية لذئب بشري عابر لم تتمكن من معرفة هويته لكن هذا القادم رغم ان المسافات تفصله عنها وهي مسافات اجتماعية وعاطفية ستحول بينه وبينها من لحظة ميلاده لكنه سمع صوتها وتعرف عليه واول من يتعرف عليه المولود لحظة ميلاده هي امه فيلتقم ثديها يعتصر منه قطرات حليب تشكل اول مرحلة لبداية رحلة اخذ وعطاء تمتد بينهما بامتداد الحياة ولكن هل تتيح له الاعراف والتقاليد وظروف ولادته المحرمة دينيا ومجتمعيا ان ينعم بصدرها قطعا لا هو اذن الحرمان ماسيواجه ليس فقط منها بل احيانا يصادر حقة في الحياة.
بالعودة للعنوان نجد ان شرعية الهدف رغم تسلله قصد به احساس الامومة مجردا من اي ظروف وملابسات للاحداث التي صاحبته فطالما هو غرس في رحمها جنينا وتغذى من دمها فهذه العلاقة المنفصلة بينها اكتسبت قدسيتها وشرعيتها واحتسب الابن لها وسيضيف او سيخصم من حياتها رغم ان ظروف احرازه كانت تسلل خلف حصون الدين والاسرة والشرف والعادات والتقاليد.
العنوان يوافق الحالة تماما والنص استطاع ان يعبر بخيال القارئ ليعقد مقارنة سريعة بين نفس حالة الولادة لو تمت في ظروف شرعية لكانت مظاهر الاحتفال الخارجية قد اختلفت لكن داخل الام تظل نفسها هي ذات المشاعر وان اختلفت ردة الفعل والتصرف بعدها كذلك يعطينا النص لمحة عن البيئة الدينية للكاتب والتي ابت الا ان تطل برأسها من بين ثنايا النص فالكاتب يدعونا ان لانجرم المجني عليه وهو الطفل هنا وان نعترف باحقيته في ان ينهل من حنان امومتها وذلك عين مايدعو له الشرع عندما امر النبي (ص) المرأة التي طلبت اقامة الحد بنفسها ان ترجع فتكمل حملها وتلد ثم ارجعها لتكمل رضاعته وتعهد به الى من يرعاه امعانا في العدل والفصل بين المواقف فالخطأ لايعالج بخطأ والجريمة الصغرى يمكن ان تؤدي لجريمة اكبر فتجمع المرأة بين الحمل السفاح وبين قتل النفس.
النص هادف جدا استطاع الكاتب ان يناقش قضية اجتماعية تدخل في اطار المسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية ومنطقة محظورة لايقتحمها
الا صاحب القلم الجرئ فيعمل فيها تصحيحا وتعديلا وحلول.

النص الثاني :

( كرزة )

توشحت بالسواد، وفي داخلها
لون أحمر .
رقصت ونسيت عكازها مائلا، على الجدار !.
……..
الكرزة عنوان مثير وجاذب جاء علي صيغة المفرد ليفيد العموم
الكرزة ثمرة حمراء اللون مثيرة الشكل تعد من اجمل انواع الفاكهة شكلا وطعما ليس هذا فحسب بل هي تتمتع بالعديد من الفوائد الصحية ولانها كانت فاكهة الملوك في الزمن السابق فهي تحمل معاني السعادة والصحة والجمال حيث انها مفيدة في مجال البشرة والجمال .
استخدم الكاتب ثمرة الكرز ليشير لاحداهن والتي توشحت بالسواد رغم ان داخلها احمر ليقول لنا ان هذه البطلة تحس بالحزن الشديد رغم انها كانت تتمتع بالحيوية والجمال والصحة لان اللون الاحمر هو لون الدم والدم سائل الحياة والاحمر لون الحماس والحيوية والحب والاقبال علي الحياة ولكن لما حدث لها ذلك رغم ان دواخلها تنبض بالحياة اذن هي حالة عرضية المت بها لسبب ما ويمكن ان تزول بزوال المؤثر قد يكون اصاب قلبها بعض الصقيع العاطفي وتعرضت لمواقف تتصف بالاهمال والبرود فوهن جسمها واصابها المرض والهم الذي ظهر علي شكل حزن اسود يكسو ملامحها وبرجوعنا لطبيعة الكرز نجد انه يذبل في الاجواء الباردة وتتغطى الثمرة الحمراء بفطر العفن الاسود مما يجعلنا في حالة انبهار بمقدرة الكاتب في الوصف والتشبية لتطابق الحالتين تماما.
ذكر الكاتب انها رقصت ونسيت عكازها مائلا علي الجدار، يتبادر الى الذهن ان الكلام منفصل وان الكاتب يتحدث عن شئ منفصل ولكن تأتي المفارقة بان الكاتب مازال يتحدث عن ذات البطلة ولكن ماهوالرابط بالعودة للعنوان كرزة يقدم دلالة قوية علي الربط بين الحالتين فذات المرأة رقصت ونسيت عكازها يعني انها تعافت من المرض الذي الزمها ان تتوكأ علي العكاز وعادت لها حيويتها وبامعان النظر بين ثنايا الكلمات نجد العكاز يشير لامراض المفاصل ولايستطيع المريض المشي معتمدا علي نفسه ناهيك عن الرقص، وبالقاء لمحة خاطفة علي فوائد الكرز نجد انه يعالج آلام المفاصل وتحديدا داء النقرس او داء الملوك وهنا يوجد رابط آخر وهو تسمية الثمرة بثمرة الملوك في الماضي فبطلتنا تناولت الكرز فتعافت لدرجة الرقص حتى انها استغنت عن العكاز ونسيته مائلا علي الجدار.في اشارة لعودتها لسابق عهدها حيث الحيوية والنشاط والحماس اخذين في الاعتبار ان الكرز يفيد البشرة ومن هناك تكون للمرأة علاقة وطيدة به.
النص يشير للنفس البشرية في تقلباتها بين الحزن والفرح والصحة والمرض والاعتماد علي الغير والاعتماد علي النفس استطاع الكاتب ان ينفذ الي اعماق تلك النفس موضحا انها تمتلك من القوة الذاتية مايمكنها من الشفاء الذاتي والاقبال علي الحياة بعد اليأس وان الظروف العرضية لاتستطيع ان توقف صاحب النفس الجميلة المرحة المحبة للحياة فهو سرعان مايتمالك نفسه ويسعى للاخذ باسباب العلاج ومن هنا قد نجد ان الكاتب يعني بالسواد ايضا لبس المرأة والذي يطلب به الستر ولاغبار عليه لكنه يعيق تحركاتها ويحد من قدراتها ويجعلها مؤطرة من قبل المجتمع والتشريعات القانونية في اطار معين لاتستطيع ان تبرز مواهبها ومقدراتها الخلاقة رغم ذلك تتمتع بنفس ابية ابت القعود ولحقت بالركب بتحركها الجيد في المساحة الممنوحة لها والكاتب هنا يشير الى ان المرأة المبدعة تحقق ذاتها حتى في المجتمع المغلق علي النساء وذكر الرقص تحديدا لانه يتطلب ملبس معين ينافي تماما الزي المفصل عليها وفي ذلك دعوة للخروج عن المألوف وتغيير الظروف والقفز فوق حاجز الواقع لتحقيق الهدف بدون الخروج عن الشرع والعرف المجتمعي وذلك باستخدام الكاتب لكلمة نسيت عكازها مائلا على الجدار اي وضعته جانبا لتعود اليه ولم يقل تخلت عنه او رمته ارضا
النص امتاز بالتكثيف الجيد والعبارات الجزلة لكن مايتقصه أنه يخاطب الكاتب القارئ الذكي الذي يستطيع عبر العنوان فقط ان يفك طلاسم النص لكن ممايدعو للاعجاب ان الكاتب يختار عنوان يحمل معناه دلالات النص .
بالمقارنة بين النصين نجد ان الكاتب يناصر قضايا المرأة وحقها في الحياة ويرى انها تمتلك من القوة مايمكنها من النجاح.
الرمزية العالية تضع الكاتب في مصاف الكتاب انيقي الحروف لكن تجعل نصوصه صفوية تخاطب عقول معينة العقول الذكية مما يفقد الكاتب متابعة القاري البسيط حبذا لو استصحب الكاتب هذه الفئة لانها الاحق بالارتشاف من هكذا ابداع وذلك بوضع دلالات واشارات تخاطب القارئ المثقف والعادي معا
النصان يصنفان كقصة قصيرة جدا وامتازا باالحبكة الجيدة والتكنيك المكثف والرمزية الثرية وهي سمة نصوص البطران.