نجوم مصرية
 • تسجيل الدخول
 • تسجيل عضوية جديدة

فيس بوك  جوجل بلس  تويتر  يوتيوب 


اشهر الجواسيس فى العالم

 

جـورج بلي
ك
جاسوس مزدوج اي يقوم بالتجسس لحساب دولتين
كان يعمل دبلوماسيا وعميل للمخابرات البريطانيه في المانيا
اثناء الحرب العامية الثانية
وانه في نفس الوقت كان يعتنق المذهب الشيوعي
لذلك قام بالتجسس لحساب روسيا وتم القبض عليه
وصدر الحكم عليه بالسجن لمدة 42 سنة
هرب من السجن الى روسيا ويعيش هناك حتى الان
_____________________

سيدني ريلي
تفوق على جيمس بوند نفسه
يمتلك 11 جواز سفر و11 زوجة
مطارد من السوفيت لادانته بالتجسس لحساب انجلترا
يجيد 7 لغات لاأحد يعرف اسمه الحقيقي او جنسيته الحقيقية
حتى هو نفسه لم يعرف ذلك حتى بلغ التاسعة عشر
عندها علم انه ابن غير شرعي
اختفى فجأة دون ان يعرف احد اين هو؟؟؟


______________________

توماس إدوارد لورانس
من أبرز جواسيس المخابرات البريطانية
من دارسي الآثار سافر إلى البلاد العربية
وأجاد اللغة العربية ووأحب حياة البدو
وكات يفكر في خيانة العرب وإستغلال صداقتهم
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كرمته بريطانيا
مات بعد 3 سنوات في حادث سيارة
_____________________

ماتا هاري
راقصة هولاندية ولدت في جزيرة جاوة
من أم اندونيسية وأب هولاندي
اسمها باللغة الإندونيسية معاه (نجمة الصباح)ماتا
عملت لحساب المخابارت الألمانية في فرنسا
كانت صاحبة علاقات قوية بالمسئولين الفرنسيين
قامت بنقل اسرارهم للألمان في الحرب العالمية الأولى
قبض عليها الفرنسيون عام 1916 وجندوها لحسابهم
ثم قبض عليها الألمان واعدمت .


______________________

كريستين كيلر
عن طريق علاقاتها بوزير الحربية البريطاني جون بروفوميو
قامت بنقل أسرار حربية بريطانية للمخابرات الروسية
من خلال معرفتها بالملحق العسكري السوفيتي برجين إيفانوف
وطلب منها إيفانوف العمل كجاسوسة عندما علن بعلاقتها مع بروفومير
انتهى الأمر بإستقالة وزير الحربية وعودة إيفانوف إلى روسيا
وأصبحت هي من اشهر النساء في عالم الجاسوسية


______________________

جمعة الشوان
مصري ولد في مدينة من مدن القناة باسم احمد الشوان
نجح في خداع المخابرات الاسرائيلية
______________________

رأفت الهجان
ولد في دمياط عاش في إسرائيل وكان اسمه هناك جاك بيتون
تزوج من ألمانية وأسسا شركة سياحية لتكون ستار لأعماله
واسمها (ايجيبتكو) ولم يكتشف احد امره
طوال حياته التي قضاها في إسرائيل
واسمه الحقيقي رفعت علي سليمان الحمال
______________________

كيم فيلبي
استطاع خداع الإنجليز لفترة طويلة
كان يقوم بنقل اسرارهم الي المخابرات الروسية
لم تعرف بريطانيا بذلك الا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية
وكانت معاملة ابوه السيئة السبب في انجذابه للجاسوسية
وكان ذا ميول شيوعية
تولى العديد من المناصب في المخابرات البريطانية
حتى كاد ان يكون مدير المخابرات
هرب الى بيروت ثم إلى روسيا
وتزوج من فتاة روسية وهي الزوجة الرابعة له


_______________________

ريتشارد سودج
اشهر اسم في عالم الجاسوسية يطلق عليه اسم الأستاذ
كان يعمل كصحفي الماني في اليابان
كان اجتماعيا وله علاقات مع مسئولين يابانيين
جذبت مقالاته انظار القادة الألمان
لكنهم لم يدركوا انه شيوعيا يعمل لحساب الروس
القى القبض عليه في عام 1941
تقديرا لخدماته اصدرت روسيا طابعا يحمل اسمه عام 1965


______________________

أمينة المفتي
اشهر جاسوسة عربية
جاسوسة لبنانية لصالح الموساد
احبت يهوديا اسمه موشيه وتزوجته
فباعت من اجله وطنها ودينها
تسببت في قتل الكثير من الفلسطينيين
قبضت عليها الشرطة
وتم ابدالها بأثنين من رجال المقاومة الفلسطينين
استقبلها الموساد في اسرائيل ومنحها 60 الف شيكل
وتعيش الأن في تل ابيب
_______________________

مستر بيف وهو المرحوم الملك حسين ملك الاردن
رئيس دولة محترم وفى نفس الوقت جاسوس لصالح دولة اخرى
- ومستر بيف - هو الاسم الحركى
الذى اعطته له المخابرات المركزيه الامريكيه حتى لايكتشف امره بسهولة
طبعا كانت مهمته سهلة وبسيطة وهى
التجسس على اخوته الملوك والرؤساء العرب بدء بعبد الناصر ومرورا بالسادات
وكان يتقاضى مليون دولار فى السنه طبعا بااسعار السبعينات
هو الذي سرب للموساد استعداد مصر لعبور القناة
لكنه اخبرهم مؤخرا ولم يستطيعوا الإستفادة من هذه المعلومات
اما الذى فضحه فهو الصحفى الامريكى بوب وود ورد وهو نفسه
الصحفى اللى فضح ريتشارد نيكسون فى ووتر جيت
________________________

جانسان فو نونو
الجاسوس اليهودى الذى تجسس على امريكا لليهود
لم يكن تجسسه من اجل المال
كان حبه لدولة اسرائيل هو السبب للتجس
تم القبض عليه من الأمريكان
ولم يفلح اى رئيس وزراء اسرائيلى حتى اليوم فى ان يحصل له على عفو


________________________

«أبو الريش»لبناني وكان يعمل ظابط سري في الموساد





كان معروفا بتسكعه على طول الكورنيش البحري في غرب العاصمة
وفي منطقة الحمرا الآمنة نسبيا والتي كانت تستقطب
معظم القيادات الوطنية والفلسطينية قبل الاجتياح بفترة،
كان يتسول ويبادل الناس الأحاديث السياسية بمهارة
جعلت الكثير من المسؤولين في هذه القيادات يحاوره من دون تكليف
وبعد الاجتياح فاجأ أبو الريش الجميع
عندما استبدل ملابسه البالية ببدلة ضابط إسرائيلي
وتقدم الجنود الذين اقتحموا العاصمة اللبنانية


_______________________

هبة عبد الرحمن عامر سليمان
مصرية درست في السربون بفرنسا
نشأت علاقة بينها وبين طبيب فرنسي اسمه بورتوا
والذي عرفها على ظابط مخابرات اسرائيلي اسمه ادمون
الذي ضمها الي الموساد
سافرت هبة الي اسرائيل وتلقت تدريبات مكثفة علي أعمال الجاسوسية
وعادت الي القاهرة مكلفة بجمع معلومات
اتجهت انظارها لقريب لها ربطت بينهما علاقة حب منذ طفولتهما
كان يعمل مهندسا ضابطا بالقوات المسلحة برتبة مقدم اسمه فاروق الفقي
وجندته لإسرائيل
وقبل حرب اكتوبر بأيام قليلة قررت المخابرات المصرية
التي كانت تتابع تفاصيل هذه العملية القاء القبض علي الخائنين
فاستدرجت هبة من باريس الي القاهرة
اما هبة وفاروق فقد تم اعدامهما بعد محاكمتهم
______________________________ _______

اتمنى تكونوا استفدتم من المعلومات دى





إقرأ ايضاً - طلب حذف عضوية
- استفسار بخصوص ادسنس ووضع الاعلانات في المنتدي
- الشيخ مسعد انور يتحدث عن حازم ابو اسماعيل فانظروا ماذا قال
- ماذا لو لم يفز حازم صلاح ابو اسماعيل برئاسة مصر
- مشكلة النشر الجانبي وصعوبة قراءة المواضيع

المقال "اشهر الجواسيس فى العالم" من كتابة: بتاريخ : بتوقيت القاهرة
عاجل
مميز
 ›  أحسن 10 وظائف في العالم !
 ›  كيف توقف البرد في أول علاماته
 ›  المصروفات المدرسية للمدارس الحكومية 2014
 ›  الرسالة التي كتبت على متن سفينة تايتانيك قبيل ساعات من غرقها
 ›  كيفية إتباع حمية القلب
 ›  فتاة تقوم بإذلال شاب حاول التحرش بها
 ›  صورة نادرة لنجم الكوميديا إسماعيل ياسين
 ›  وكالة " ناسا – nasa " تثبت صدق واحدة من معجزات القران الكريم
 ›  اختراعات تجعل مهمة الطبخ ممتعة

أخبار مصر    |   اخبار الفن    |   اخبار الرياضة    |   صور    |   بنات    |   الحب والرومانسية    |   العاب    |   طب وصحة

   |   غرائب    |   عروض    |   اسعار العملات والذهب    |   موبايل    |   فيس بوك    |   تعليم

إنتهيت
merciiiiiiiiiiii
هارى بوتر1988
ميرسى ليكى انت يا باشا على ردك
عصفور المطر
مين يقدر يجيب المواضيع الجامدة دى غير هارى بوتر....
هارى بوتر1988
الله يخليك يا باشا انت طبعا اللى تقدر تجيب احسن منها
Muhammed
بجد معلومات جميله

وأنا أتمنى نجيب تفاصيل أكتر عن أشهر الجواسيس

تحياتي ليك يا هاري بوتر
هارى بوتر1988
شكرااااااا لمرورك يا محمد باشا و ان شاء الله هحاول اجيب تفاصيل
Muhammed
يا باشا لو تحب انا ممكن اجيبلك أشهر الجواسيس وايه رأيك انا وانت نبتدي من النهارده ونجيب سلسلة عن الجواسيس
وانا يا باشا بعد أذنك هابتدي
هارى بوتر1988
اتفضل يا باشا

اوكى
هارى بوتر1988



أحمد محمد عبد الرحمن الهوان أو جمعة الشوان من مواليد مدينة السويس بمصر. يعتبر من أهم العملاء الذين شهدهم صراع المخابرات المصري الاسرائلي.برز دوره من خلال مسلسل دموع في عيون وقحة من إنتاج التلفزيون المصري ، أحد الشبان المصريين الذين عانوا من نكسة يونيو 1967م .



نشأته

ولد وتربي ونشأ بمدينة السويس والتي اضطر إلى الهجرة منها هو وعائلته امه واخوه وزوجته بعد نكسة يونيو 1967 وهناك فقدت زوجته نظرها نتيجة للقصف الإسرائيلي وتدمير لنش صغير ملكا للهوان.

اليونان والموساد

حاول العمل في القاهرة في السوق السوداء عن طريق بيع المواد التموينية والتي كان محظور التجارة فيها لظروف البلد الاقتصادية السيئة حتى انغلقت كل الابواب في وجه فاضطر إلى السفر إلى اليونان لمقابلة رجل اعمال هناك ذكر في المسلسل باسم باندانيدس وهو يملك العديد من سفن الشحن ويدين للهوان بحوال 200 جنيه ولكنه لم يكن موجود في اليونان كخطة من الموساد كي يعاني الهوان ويوافق على اي شيء وفي اليونان قابل الهوان الريس زكريا وهو الضابط مدحت بالمخابرات العامة وحاول اقناعه بالعودة ولكن الهوان لم يستمع له. وبعد مرور الوقت قرر الهوان العودة إلى مصر لولا انه عرف ان باندانيدس قد عاد وذهب لزيارته وهناك قام بندانيدس باعطائه عمل على احدى سفنه والذاهبة إلى بريستون بانجلترا.

وهناك تعرف على جوجو الفتاة اليهودية والتي احبها واغرته للعمل معها وطبعا كان ذلك تخطيطا من الموساد ، بعد سفر السفينة التي كان يعمل عليها لم يكن امامه سوى العمل بالشركة التي يملكها والد جوجو وبها قابله أحد رجال الموساد على انه سوري يعمل بالشركة وطلب منه ان يعود إلى مصر ويجمع بعض المعلومات عن السفن الموجودة بالقناة.

وعندما عاد الهوان إلى مصر قام بفتح محل بقالة لبيع المواد الغذائية واخذ يجمع المعلومات التي طلبت منه ولكن الشك في قلبه اخذ في التزايد فذهب إلى مقر المخابرات العامة المصرية وهناك التقى بالضابط مدحت والذي عرفه بالريس زكريا وحكى له بكل ما لقاه وهنا قرر التعاون مع المخابرات المصرية لتلقين الموساد درسا.

عمله مع المخابرات

وبدأ تعاون الهوان مع الإسرائيليين ومعرفة ما يريدونه واخبارهم بما يريده المصريين مما جعله جاسوسا هاما بالنسبة للاسرائيليين ، وبعد حرب أكتوبر المجيدة زادت حاجتهم إلى الهوان وسرعة إرسال المعلومات ولذلك قرروا اعطائه احدث اجهزة الارسال في العالم والذي كان احدها بالفعل موجود بمصر ولم تستطع المخابرات في القبض على حامله وهنا قرر الهوان الذهاب إلى إسرائيل للحصول على الجهاز وهناك قاموا بعرضه على جهاز كشف الكذب والذي تدرب عليه جيدا مما جعله ينجح في خداعهم جميعا ليحصل على اصغر جهاز إرسال تم اختراعه في ذلك الوقت ليكون جاسوسا دائما في مصر. وبمجرد وصوله إلى ارض مصر وفي الميعاد المحدد للارسال قام بارسال رسالة موجهه من المخابرات المصرية إلى الموساد يشكرهم فيها على الحصول على جهاز الارسال. وهنا انتهت مهمة احمد الهوان...

بعد انتهاء المهمة

وقد قام الموساد محاولة القضاء على جوجو التي وقعت في حب الهوان بالفعل بجرعة زائدة من المخدرات ولكنها لم تمت ومن هنا قررت الانتقام فساعدت المخابرات المصرية على تأمين الهوان باسرائيل والاتصال به في الوقت المناسب وغني عن الذكر ان المخابرات المصرية قامت بتمويل عملية زوجة الهوان في مصر على يد طبيب اجنبي متخصص كان في زيارة لمصر للقيام بعدد من العمليات الجراحيةوقد نجحت العملية يوم العبور الكبير في السادس من أكتوبر عام 1973
هارى بوتر1988
رأفت الهجان هو الاسم الفني البديل للمواطن المصري رفعت علي سليمان الجمال (1 يوليو 1927 - 30 يناير 1982) الذي وحسب المخابرات العامة المصرية رحل إلى إسرائيل بتكليف من المخابرات المصرية في إطار خطة منظمة في يونيو عام 1956 م وتمكن من إقامة مصالح تجارية واسعة وناجحة في تل ابيب وأصبح شخصية بارزة في المجتمع الإسرائيلي وحسب الرواية المصرية فإن الهجان قام ولسنوات طويلة بالتجسس وإمداد جهاز المخابرات المصري بمعلومات مهمة تحت ستار شركة سياحية داخل إسرائيل حيث زود بلاده بمعلومات خطيرة منها موعد حرب يونيو 1967 وكان له دور فعال في الإعداد لحرب أكتوبر 1973 بعد أن زود مصر بتفاصيل عن خط برليف. أحدثت هذه الرواية والعملية هزة عنيفة لأسطورة تألق الموساد وصعوبة اختراقه، وتم اعتبار الهجان بطلًا قوميًا في مصر عمل داخل إسرائيل بنجاح باهر لمدة 17 سنة وتم بث مسلسل تلفزيوني ناجح عن حياة الهجان الذي شد الملايين وقام بتمثيل دوره بنجاح الممثل المصري محمود عبدالعزيز.

من جهة أخرى كان الرد الرسمي من جانب المخابرات الإسرائيلية في البداية «إن هذه المعلومات التى أعلنت عنها المخابرات المصرية ما هي إلا نسج خيال ورواية بالغة التعقيد وإن على المصريين أن يفخروا بنجاحهم في خلق هذه الرواية». لكن وتحت ضغوط الصحافة الإسرائيلية صرح رئيس الموساد الأسبق عيزرا هارئيل «أن السلطات كانت تشعر باختراق قوي في قمة جهاز الأمن الإسرائيلي ولكننا لم نشك مطلقا في جاك بيتون وهو الاسم الإسرائيلي للهجان». وبدأت الصحافة الإسرائيلية ومنذ عام 1988 م تحاول التوصل إلى حقيقة الهجان أو بيتون أو الجمال فقامت صحيفة الجيروزليم بوست الإسرائيلية بنشر خبر تؤكد فيه أن جاك بيتون أو رفعت الجمال يهودي مصري من مواليد المنصورة عام 1919 م وصل إلى إسرائيل عام 1955 وغادرها للمرة الأخيرة عام 1973. واستطاع أن ينشئ علاقات صداقة مع عديد من القيادات في إسرائيل، منها جولدا مائير رئيسة الوزراء السابقة، وموشي ديان وزير الدفاع. وبعد سنوات قام صحفيان إسرائيليان وهما إيتان هابر ويوسي ملمن بإصدار كتاب بعنوان "الجواسيس" وفيه قالوا أن العديد من التفاصيل التي نشرت في مصر عن شخصية الهجان صحيحة ودقيقة لكن ما ينقصها هو الحديث عن الجانب الآخر في شخصيته، ألا وهو خدمته لإسرائيل حيث أن الهجان أو بيتون ما كان إلا جاسوس خدم مصر حسب رأي الكاتبين.




البدايات حسب الرواية المصرية

ولد رفعت على سليمان الجمال في مدينه "دمياط" في "جمهورية مصر العربية" في 1 يوليو 1927، وهناك مصادر أخرى تشير إلى أنه من مواليد مدينة طنطا حيث كان والده يعمل في تجارة الفحم أما والدته فكانت ربة منزل تحدرت من أسرة مرموقة وكانت والدته تجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية ، وكان له أخوين أشقاء هما لبيب ونزيهه اضافة إلى أخ غير شقيق هو سامي بعد ذلك بسنوات وتحديدا في 1936 توفي "علي سليمان الجمال" والد رفعت الجمال وأصبح "سامي" الأخ الغير شقيق لـ"رأفت" هو المسئول الوحيد عن المنزل ، وكانت مكانة "سامي" الرفيعة ، وعمله كمدرس لغة إنجليزية لأخو الملكة "فريدة" تؤهله ليكون هو المسئول عن المنزل وعن إخوته بعد وفاة والدة ، وبعد ذلك انتقلت الأسرة بالكامل إلى القاهرة ، ليبدأ فصل جديد من حياة هذا الرجل الذي عاش في الظل ومات في الظل.

شخصية "رفعت" لم تكن شخصية مسئولة ، كان طالبا مستهترا لا يهتم كثيرا بدراسته ، وبرغم محاولات اخيه سامي أن يخلق من رفعت رجلا منضبطا ومستقيما الا ان رفعت كان على النقيض من اخيه سامى فقد كان يهوى اللهو والمسرح والسينما بل انه استطاع ان يقنع الممثل الكبير بشارة واكيم بموهبته ومثل معه بالفعل في ثلاثة أفلام، لذا رأى إخوته ضرورة دخوله لمدرسه التجارة المتوسطه رغم اعتراض "رفعت" على إلحاقه بمثل هذه النوعية من المدارس . في المدرسة بدأت عيناه تتفتحان على البريطانيين وانبهر بطرق كفاحهم المستميت ضد الزحف النازي ، تعلم الإنجليزية بجدارة ، ليس هذا فقط بل أيضا تعلم أن يتكلم الإنجليزية باللكنة البريطانية . ومثلما تعلم "رفعت" الإنجليزية بلكنة بريطانية تعلم الفرنسية بلكنة أهل باريس

تخرج في عام 1946 و تقدم بطلب لشركة بترول أجنبية تعمل بالبحر الأحمر للعمل كمحاسب واختارته الشركة برغم العدد الكبير للمتقدمين ربما نظرا لإتقانه الإنجليزية والفرنسية ثم تم طرده من تلك الوظيفة بتهمة أختلاس اموال. تنقل رفعت من عمل لعمل وعمل كمساعد لضابط الحسابات على سفينة الشحن "حورس" وبعد أسبوعين من العمل غادر مصر لأول مرة في حياته على متن السفينة وطافت "حورس" طويلا بين الموانئ ، نابولي، جنوة، مارسيليا، برشلونة، جبل طارق ، طنجة وفي النهاية رست السفينة في ميناء ليفربول الإنجليزي لعمل بعض الإصلاحات وكان مقررا أن تتجه بعد ذلك إلى بومباي الهندية.

هناك في ليفربول وجد عرضا مغريا للعمل في شركة سياحية تدعى سلتيك تورز وبعد عمله لفترة مع تلك الشركة غادر إلى الولايات المتحدة دون تأشيرة دخول او بطاقه خضراء وبدأت إدارة الهجرة تطارده مما اضطره لمغادرة أمريكا إلى كندا ومنها إلى ألمانيا وفي ألمانيا اتهمه القنصل المصري ببيع جواز سفره ورفض اعطائه وثيقة سفر بدل من جواز سفره والقت الشرطه الالمانيه القبض عليه وحبسه ومن ثم تم ترحيله قسرًا لمصر . مع عودة "رفعت" إلى "مصر"، بدون وظيفة، أو جواز سفر، وقد سبقه تقرير عما حدث له في "فرانكفورت"، وشكوك حول ما فعله بجواز سفره، بدت الصورة أمامه قاتمة إلى حد محبط، مما دفعه إلى حالة من اليأس والإحباط، لم تنتهي إلا مع ظهور فرصة جديدة، للعمل في شركة قناة السويس، تتناسب مع إتقانه للغات. ولكن الفرصة الجديدة كانت تحتاج إلى وثائق، وأوراق، وهوية. هنا، بدأ "رفعت" يقتحم العالم السفلي، وتعرَّف على مزوِّر بارع، منحه جواز سفر باسم "علي مصطفى"، يحوي صورته، بدلًا من صورة صاحبه الأصلي. وبهذا الاسم الجديد، عمل "رفعت" في شركة قناة "السويس"، وبدا له وكأن حالة الاستقرار قد بدأت.



قامت ثورة يوليو 1952، وشعر البريطانيون بالقلق، بشأن المرحلة القادمة، وأدركوا أن المصريين يتعاطفون مع النظام الجديد، فشرعوا في مراجعة أوراقهم، ووثائق هوياتهم، مما استشعر معه "رفعت" الخطر، فقرَّر ترك العمل، في شركة قناة "السويس"، وحصل من ذلك المزوِّر على جواز سفر جديد، لصحفي سويسري، يُدعى "تشارلز دينون".وهكذا اصبح الحال معه من اسم لاسم ومن شخصية مزورة لشخصية أخرى إلى أن ألقي القبض عليه من قبل ضابط بريطاني أثناء سفره إلى ليبيا بعد التطورات السياسية والتتغيرات في 1953 واعادوه لمصر واللافت في الموضوع انه عند إلقاء القبض عليه كان يحمل جواز سفر بريطاني الا ان الضابط البريطاني شك أنه يهودي وتم تسليمه إلى المخابرات المصرية التي بدأت في التحقيق معه على انه شخصيه يهوديه.

بالنسبه لـ"رفعت" فيقول في مذكراته عن هذه المرحلة في حياته:

"وبعد أن قضيت زمنًا طويلًا وحدي مع أكاذيبي، أجدني مسرورًا الآن إذ أبوح بالحقيقة إلى شخص ما. وهكذا شرعت أحكي لـ"حسن حسنى" كل شيء عني منذ البداية. كيف قابلت كثيرين من اليهود في استوديوهات السينما، وكيف تمثلت سلوكهم وعاداتهم من منطلق الاهتمام بأن أصبح ممثلًا. وحكيت له عن الفترة التي قضيتها في "إنجلترا" و"فرنسا" و"أمريكا"، ثم أخيرًا في "مصر". بسطت له كل شيء في صدق. إنني مجرد مهرج، ومشخصاتي عاش في التظاهر ومثل كل الأدوار التي دفعته إليها الضرورة ليبلغ ما يريد في حياته".

[عدل] بداياته كعميل لجهاز المخابرات العامة المصرية

إستنادًا إلى المخابرات المصرية كانت التهمة الرئيسية للهجان عند إرجاعه إلى مصر قسرا هو الإعتقاد ان الهجان هو ضابط يهودي وإسمه ديفيد ارنسون حيث كان الهجان يحمل جواز سفر بريطاني بإسم دانيال كالدويل وفي نفس الوقت تم العثور بحوزته على شيكات موقع بأسم رفعت الجمال وكان يتكلم اللغه العربيه بطلاقه. كان الضابط حسن حسني من البوليس السري المصري هو المسؤول عن إستجواب الهجان ، وبعد إستجواب مطول، اعترف رفعت الجمال بهويته الحقيقيه وكشف كل ما مرت عليه من احداث واندماجه مع الجاليات اليهوديه حتى اصبح جزء منهم واندماجه في المجتمع البريطاني والفرنسي. وقام حسن حسني بدس مخبرين في سجنه ليتعرفوا على مدى اندماجه مع اليهود في معتقله وتبين ان اليهود لا يشكون ولو للحظه بأنه ليس يهودي مثلهم وتم في تلك الأثناء وإستنادا إلى المخابرات المصرية التأكد من هوية الهجان الحقيقية.

بعد محاولات عديدة إتسمت بالشد و الرخي من قبل ضابط البوليس السري حسن حسني تم عرض خيارين للهجان اما السجن واما محو الماضي بشخصيته بما فيه رفعت الجمال وبداية مرحله جديده وبهوية جديدة ودين جديد ودور قمة في الأهميه والخطورة والعمل لصالح المخابرات المصرية الحديثة النشوء و بعد ان وافق رفعت الجمال على هذا الدور بدأت عمليات تدريب طويله وشرحوا له اهداف الثورة وعلم الاقتصاد وسر نجاح الشركات متعددة القوميات واساليب اخفاء الحقائق لمستحقي الضرائب ووسائل تهريب الاموال بالاضافه إلى عادات وسلوكيات وتاريخ وديانة اليهود وتعلم كيف يميز بين اليهود الاشكناز واليهود السفارد وغيرهم من اليهود وأعقب هذا تدريب على القتال في حالات الاشتباك المتلاحم والكر والفر، والتصوير بآلات تصوير دقيقة جدًا، وتحميض الأفلام وحل شفرات رسائل أجهزة الاستخبارات والكتابة بالحبر السري، ودراسة سريعة عن تشغيل الراديو، وفروع وأنماط أجهزة المخابرات والرتب والشارات العسكرية. وكذلك الأسلحة الصغيرة وصناعة القنابل والقنابل الموقوتة وهكذا انتهى رفعت الجمال وولد جاك بيتون في 23 اغسطس 1919 من اب فرنسي وام ايطاليه وديانته يهودي اشكنازي وانتقل للعيش في حي في الإسكندرية يسكنه الطائفة اليهودية وحصل على وظيفة مرموقة في احدى شركات التامين وانخرط في هذا الوسط وتعايش معهم حتى اصبح واحد منهم.

هناك جدل حول الضابط المسؤول عن تجنيد الهجان و زرعه داخل إسرائيل فبعض المصادر تشير إلى ‏حسن حلمي بلبل وهو أحد الرجال الذين انشأوا المخابرات المصرية العامة وكان يرمز له في مسلسل رأفت الهجان باسم حسن صقر‏،‏ وكان عبد المحسن فايق مساعدا له وكان يرمز له في المسلسل باسم محسن ممتاز.‏ بينما يعتقد البعض الآخر ان اللواء عبد العزيز الطودي أحد ضباط المخابرات المصرية العامة الذي كان يرمز له في مسلسل رأفت الهجان بإسم عزيز الجبالي كان مسئولا عن الاتصال وعمل رفعت الجمال داخل إسرائيل بينما يذهب البعض الآخر ان العملية كانت مجهودًا جماعيًا ولم تكن حكرًا على أحد .

في مذكراته يكشف (رفعت الجمَّال) بأنه قد انضمّ، أثناء وجوده في الإسكندرية، إلى الوحدة اليهودية (131)، التي أنشأها الكولونيل اليهودي إبراهام دار، لحساب المخابرات الحربية الإسرائيلية (أمان)، والتي شرع بعض أفرادها في القيام بعمليات تخريبية، ضد بعض المنشآت الأمريكية والأجنبية، على نحو يجعلها تبدو كما لو أنها من صنع بعض المنظمات التحتية المصرية، فيما عرف بعدها باسم فضيحة لافون، نسبة إلى بنحاس لافون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك. وفي الوحدة (131)، كان (رفعت الجمَّال) زميلًا لعدد من الأسماء، التي أصبحت فيما بعد شديدة الأهمية مثل مارسيل نينو و ماكس بينيت ، و ايلي كوهين، ذلك الجاسوس الذي كاد يحتلّ منصبًا شديد الحساسية والخطورة، بعد هذا بعدة سنوات، في سوريا.

أثناء رحلة الجمال الطويلة في مشوار عمله الجاسوسي والاستخباري تنقل لعدد من المحطات المهمة للوثوب إلى هدفه أهمها فرنسا وإيطاليا والعراق الذي زارها بمهمة رسمية عام 1965 على عهد الرئيس العراقي الراحل عبدالسلام عارف ضمن اتفاق الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسوريا حيث اتفقت الحكومات الثلاث لاتخاذ خطوات من شأنها تفعيل الاجراءات الخاصة بالوحدة من خلال تنفيذ خطة التبادل الاستراتيجي للدفاع المشترك الخاص بانتشار القطع العسكرية لتلك الدول على أراضيها حيث أرسلت بعض وحدات المشاة واسراب الطائرات العراقية لمصر وسوريا وتم استقبال وحدات تلك الدول في العراق بضمنها كتيبة من القوات الخاصة المصرية ومجموعة من عناصر جهاز المخابرات المصري العامل ضد "إسرائيل" وكان بضمنهم رفعت الجمال .

مذكرات (رفعت) عن هذه الفترة تقول

"مرة أخرى وجدت نفسي أقف عند نقطة تحول خطيرة في حياتي. لم أكن أتصور أنني ما أزال مدينًا لهم، ولكن الأمر كان شديد الحساسية عندما يتعلق بجهاز المخابرات. فمن ناحية روعتني فكرة الذهاب إلى قلب عرين الأسد. فليس ثمة مكان للاختباء في (إسرائيل)، وإذا قبض عليَّ هناك فسوف يسدل الستار عليَّ نهائيًا والمعروف أن (إسرائيل) لا تضيع وقتًا مع العملاء الأجانب. يستجوبونهم ثم يقتلونهم. ولست مشوقًا إلى ذلك. ولكني كنت أصبحت راسخ القدمين في الدور الذي تقمصته، كما لو كنت أمثل دورًا في السينما، وكنت قد أحببت قيامي بدور (جاك بيتون). أحببت اللعبة، والفارق الوحيد هذه المرة هو أن المسرح الذي سأؤدي عليه دوري هو العالم باتساعه، وموضوع الرواية هو الجاسوسية الدولية. وقلت في نفسي أي عرض مسرحي مذهل هذا؟... لقد اعتدت دائمًا وبصورة ما أن أكون مغامرًا مقامرًا، وأحببت مذاق المخاطرة. وتدبرت أمري في إطار هذه الأفكار، وتبين لي أن لا خيار أمامي. سوف أؤدي أفضل أدوار حياتي لأواجه خيارين في نهاية المطاف: إما أن يقبض عليَّ وأستجوب وأشنق، أو أن أنجح في أداء الدور وأستحق عليه جائزة الأوسكار".

تسلم الجمال مبلغ 3000 دولار أمريكي من المخابرات المصرية ليبدأ عمله وحياته في إسرائيل. وفي يونيو 1956 استقل سفينة متجهة إلى نابولي قاصدًا أرض الميعاد.








في عام 2002 صدر في إسرائيل كتاب الجواسيس من تأليف الصحفيين ايتان هابر (الذي عمل سنوات طويلة إلى جانب رئيس الحكومة الراحل اسحق رابين، وتولى مسؤولية مدير ديوانه) ويوسي ملمن ويحكي الكتاب قصة أكثر من 20 جاسوسًا ومن بينهم رفعت الجمال ولكن القصة في ذلك الكتاب مغايرة تماما لما ورد في نسخة المخابرات المصرية والتي تم توثيقها في المسلسل التلفزيوني رأفت الهجان وفي القصة إدعاء بان الإسرائيليين عرفوا هوية الجمال منذ البداية، وجندوه كعميل وجاسوس لهم علي مصر، وأن المعلومات التي نقلها إليهم، ساهمت في القبض علي شبكات تجسس مصرية عديدة مزروعة في إسرائيل من قبل المصريين، وأنه نقل للمصريين معلومات أدت إلي تدمير طائرات لسلاح الجو المصري وإلي هزيمة حرب 1967. وكل هذا تدحضه الرواية المصرية التي تؤكد أن الجمال (الهجان) كان مواطنا مصريا خالصا أعطى وطنه الكثير . ولو كان الاسرائليون قد استطاعوا كشف هذا الجاسوس كما يزعمون وان المصريين لم علموا بخيانته كما يزعم الاسرائليون كذلك لكان الاسرائليون عرفوا بالاستعدادات المصرية للهجوم، فالمصريون اذا صدقنا الرواية الاسرائلية كانوا سيطلبون من جاسوسهم مجموعة من الحاجيات والمهام تكشف عن استعدادهم للهجوم.

إستنادا إلى كتاب الجواسيس وكما اوردها صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية فإن المخابرات المصرية جندت في مطلع الخمسينيات مواطنًا مصريًا اسمه رفعت علي الجمال، بعد تورطه مع القانون ومقابل عدم تقديمه للمحاكمة عرض عليه العمل جاسوسا وأعطيت إليه هوية يهودية واسم جاك بيتون. وجري إدخاله إلي إسرائيل بين مئات المهاجرين الذين وصلوا من مصر في تلك الفترة، وكان الهدف من إدخاله استقراره في إسرائيل وإقامة مصلحة تجارية تستخدم تمويها جيدا لنشاطاته التجسسية، ولكن الشاباك وهو جهاز الإستخبارات الداخلي لإسرائيل عكس الموساد مهمته مكافحة التجسس و تدقيق ماضي المهاجرين الجدد المشكوك في ولائهم لمعرفة إذا كانوا جواسيس وإسترعى إنتباه الشاباك إن الهجان كان يتحدث الفرنسية بطلاقة لا يمكن أن يتحدث بها يهودي من مواليد مصر وقرر الموساد وضعه تحت المراقبة وقاموا بتفتيش منزله وعثروا على حبر سري وكتاب شيفرات لالتقاط بث إذاعي، وإستنادا إلى نفس الكتاب فإن شموئيل موريه رئيس قسم إحباط التجسس العربي و ضباط في الاستخبارات العسكرية والموساد و عاموس منور ورئيس الاستخبارات العسكرية يهوشفاط هيركابي قرروا محاولة القيام بعملية خطيرة وهي تحويل العميل المصري إلي عميل مزدوج.

يستمر الكتاب بسرد القصة قائلا بان الهجان أقام عام 1956 شركة سفر صغيرة باسم (سيتور) في شارع برنر بتل أبيب وهكذا وجد من الناحية العملية تعاونًا تجاريًا سريًا بين المخابرات المصرية التي مولت جزءا من تكلفة إقامة الشركة والشاباك التي ساهمت أيضا في تمويل الشركة وكان الهجان مشهورا بمغامراته النسائية، ليس فقط في إسرائيل بل وفي أوروبا أيضا حيث تعرف بيتون في إحدي جولاته بأوروبا في أكتوبر عام 1963 علي فالفرود وهي امرأة ألمانية مطلقة لديها طفلة اسمها أندريه عمرها أربع سنوات وتزوجها بعد عشرة أيام في كنيسة بطقوس دينية كاملة.
إنجازاته حسب المخابرات المصرية

* تزويد مصر بميعاد العدوان الثلاثي على مصر قبله بفترة مناسبة إلا أن السلطات لم تأخذ الأمر بمأخذ الجد .

* تزويد مصر بميعاد الهجوم عليها في 1967 إلا أن المعلومات لم تأخذ مأخذ الجد لوجود معلومات أخرى تشير بأن الهجوم سيكون منصبا على سوريا .

* إبلاغ مصر باعتزام إسرائيل إجراء تجارب نووية، واختبار بعض الأسلحة التكنولوجية الحديثة، أثناء لقائه برئيسه علي غالي في ميلانو

* زود مصر بالعديد من المعلومات التي ساعدت مصر على الانتصار في حرب أكتوبر .

* كانت له علاقة صداقة وطيدة بينه وبين موشي ديان و عيزر وايزمان و شواب و بن غوريون


مذكراته

قرر الهجان أن يكتب مذكراته ، وأودعها لدى محاميه ، على أن يتم تسليمها لزوجته بعد وفاته بثلاث سنوات حتى تكون قد استعادت رباط جأشها ولديها القدرة على أن تتماسك وتتفهم حقيقة زوجها الذي عاش معها طوال هذه السنوات الطوال ويروي في مذكراته كيف حصل على امتياز التنقيب عن البترول المصري، في عام 1977 ، ليعود أخيرًا إلى مصر وفي نهاية مذكراته، يتحدَّث رفعت الجمَّال عن إصابته بمرض خبيث، وتلقيه العلاج الكيمائي، في أكتوبر ، وقد كتب "الجمال" وصية تفتح في حال وفاته ، وكان نصها كالتالي :

"وصيتي. أضعها أمانة في أيديكم الكريمة السلام على من اتبع الهدى بسم الله الرحمن الرحيم إنا لله وإنا إليه راجعون لقد سبق وتركت معكم ما يشبه وصية، وأرجو التكرم باعتبارها لاغية، وهاأنذا أقدم لسيادتكم وصيتي بعد تعديلها إلى ما هو آت: في حالة عدم عودتي حيا أرزق إلى أرض الوطن الحبيب مصر أي أن تكتشف حقيقة أمري في إسرائيل، وينتهي بي الأمر إلى المصير المحتوم الوحيد في هذه الحال، وهو الإعدام، فإنني أرجو صرف المبالغ الآتية:

* لأخي من أبى سالم على الهجان، القاطن.. برقم.. شارع الإمام على مبلغ.. جنيه. أعتقد أنه يساوى إن لم يكن يزيد على المبالغ التي صرفها على منذ وفاة المرحوم والدي عام 1935، وبذلك أصبح غير مدين له بشيء.

* لأخي حبيب على الهجان، ومكتبه بشارع عماد الدين رقم...، مبلغ... كان يدعى أنى مدين له به، وليترحم على إن أراد

* مبلغ... لشقيقتي العزيزة شريفة حرم الصاغ محمد رفيق والمقيمة بشارع الفيوم رقم .. بمصر الجديدة بصفة هدية رمزية متواضعة مني لها، وأسألها الدعاء لي دائما بالرحمة.

* المبلغ المتبقي من مستحقاتي يقسم كالآتي: نصف المبلغ لطارق محمد رفيق نجل الصاغ محمد رفيق وشقيقتي شريفة، وليعلم أنني كنت أكن له محبة كبيرة. النصف الثاني يصرف لملاجئ الأيتام بذلك أكون قد أبرأت ذمتي أمام الله، بعد أن بذلت كل ما في وسعى لخدمة الوطن العزيز، والله أكبر والعزة لمصر الحبيبة إنا لله وإنا إليه راجعون

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله

تقصير مصر في حقه

بعد أن أتم رفعت الجمال عمليته الجاسوسية في إسرائيل عاد إلى مصر بعد أن ضاقت الدنيا به. وطلب من الرئيس المصري وقتها أنور السادات أن يعمل في مجال البترول. وأسس شركة آجيبتكو . وأعطى أنور السادات تعليماته لوزير البترول بأن يهتم بهذا "الرجل" العائد في شخصية جاك بيتون، دون أن يفصح عن شخصيته. وشدد علي أهمية مساعدته وتقديم كل العون له ، فلم تجد وزارة البترول سوي بئر مليحة المهجور لتقدمه له بعد أن تركته شركة فيليبس، لعدم جدواه. ورفضت هيئة البترول السماح له بنقل البترول من البئر في الصحراء الغربية إلى داخل البلاد بالتنكات. وأصرت علي نقله بأنابيب البترول، وهو ما لم يتمكن رفعت الجمال من توفيره ماديا ، فلجأ مرة أخري إلي السادات الذي كرر تعليماته بمساعدته وتقديم كل العون له. لكن أحدًا لم يهتم به، فساءت حالة شركته من التعقيدات، فتصرفت فيها زوجته فالتراود بيتون بعد أن مات في عام 1982. وباعتها لشركة دنسون الكندية وسط استغراب زوجته من سوء المعاملة. ولرفعت الجمال ابن واحد من زوجته الألمانية إلا أنه لا يحمل الجنسية المصرية ، حيث أن المخابرات المصرية وفي إطار الأعداد للعملية قد قامت بإزالة كل الأوراق التي قد تثبت وجود رفعت الجمال من كل الأجهزة الحكومية بحث صار رفعت الجمال رسميا لا وجود له ، وبالتالي لا يستطيع ابنه الحصول على جواز السفر المصري الأمر الذي أدى بزوجته وابنه أن يقدموا إلتماس لرئيس الجمهورية محمد حسني مبارك لإستغلال صلاحياته في إعطاءه الجنسية ، إلا أن طلبها قوبل بعدم اهتمام.

وفاته

توفي الجمال بعد معاناته بمرض سرطان الرئة عام 1982 في مدينة دارمشتات القريبة من فرانكفورت بألمانيا ودفن فيها.

الهجان في أدب الجاسوسية

في 4 فبراير عام 1987، روى الكاتب الراحل صالح مرسى كيف ظهرت إلى الوجود قصته عن عميل المخابرات رأفت الهجان. كان الكاتب حسبما يقول قد قرر وقتها أن يتوقف عن كتابة هذا النوع من الأدب، لولا لقاء بالمصادفة جمعه بشاب من ضباط المخابرات المصرية أخذ يلح عليه وبشدة أن يقرأ ملخصا لعملية من عمليات المخابرات. ذات ليلة حمل الدوسيه الذى يحوي تفاصيلها إلى غرفة نومه وشرع في القراءة وتمالكه إعجاب وتقدير كبير لشخصية رأفت الهجان وقرر ان يلتقي مع محسن ممتاز (عبد المحسن فايق أحد الضباط الذين جندوا الهجان) للحصول على تفاصيل إضافية تساعده في الكتابة عن الهجان لكن محسن ممتاز رفض أن يعطيه معلومات حول شخصية الهجان الحقيقية و إلتقى صالح مرسي بعدها أيضا مع عبد العزيز الطودي المتخفي باسم عزيز الجبالى الذي راح يروي على مدى عشرة فصول مخطوطة وعلى 208 ورقات فلوسكاب ما حدث على مدى ما يقرب من عشرين عامًا.

منذ ظهور قصة (رفعت الجمَّال) إلى الوجود، كرواية مسلسلة، حملت اسم رأفت الهجَّان، في 3 يناير 1986، في العدد رقم 3195 من مجلة المصوِّر المصرية، جذب الأمر انتباه الملايين، الذين طالعوا الأحداث في شغف مدهش، لم يسبق له مثيل، وتعلَّقوا بالشخصية إلى حد الهوس، وأدركوا جميعًا، سواء المتخصصين أو غيرهم، أنهم أمام ميلاد جديد، لروايات عالم المخابرات، وأدب الجاسوسية، وتحوَّلت القصة إلى مسلسل تليفزيوني، سيطر على عقل الملايين، في العالم العربي كله، وأثار جدلًا طويلًا لدرجة أنه كان وقت عرض المسلسل تصبح الشوارع خالية تماما من الناس، ولأن الأمر قد تحوَّل، من مجرَّد رواية في أدب الجاسوسية، تفتح بعض ملفات المخابرات المصرية، إلى صرعة لا مثيل لها، ولهفة لم تحدث من قبل، وتحمل اسم (رأفت الهجان)، فقد تداعت الأحداث وراحت عشرات الصحف تنشر معلومات جديدة في كل يوم، عن حقيقة ذلك الجاسوس وايضا فإن المسلسل الشهير برأفت الهجان لم تكن نهايته صحيحة بشكل كامل فإنها مختلفة عما تم عرضه في المسلسل وكما ان بعض الفقرات في حياته كانت خاطئة.
هارى بوتر1988
أمينة داوود المفتي

أمينة داوود المفتي من مواليد العاصمة الأردنية عمان و من أسـرة الصويلح الراقية و المثقفة ولدت في 1939 درست في عمان حتى المرحلة الثانوية في 1957.

التحقت أمينة بجامعة فيينا لتدرس الطب النفسي و حصلت على شهادة بكالوريوس في 1961 و من ثم عادت إلى عمان في نفس السنة و لكن انخلاطها بالمجتمع الغربي كان قد أثر عليها مما جعلها تعود إلى النمسا بحجة إكمال دراستها العليا والحصول هلى الدكتوراه و في 1967 بعد هروبها من عمان تزوجت من (( موشية بيراد)) طيار عسكري برتبة نقيب ، و في 1972 هاجرا إلى إسرائيل بعد إلحاح أمينة أو(أنى موشية) بعد أن أعتنقت اليهودية ((بسبب خوفها من إنتقام عائلتها منها وخصوصاَ أن خالها كان لواءاَ في القصر الملكى)) وإقناع زوجها أنه مرحب به في إسرائيل كطيار حربى ، 1973 قام موشية بالطيران باتجاه الجبهة السورية فــأسقطتة مدفعية السوريين و أعتبر مفقود منذ ذللك الوقت. في نفس السنة كلفت أمينة بأول مهمة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) للتجسس على الفلسطينين في بيروت و على رأسهم علي حسن سلامة ، و هكذا انتقلت لتعيش في بيروت و عملت كممرضة بعد عدة محاولات فاشله . وفي مذكراتها عن رحلتها تلك إلى راجعه من بيروت إلى فيينا قالت :

اليوم - 18 سبتمبر 1973 - زرت شقتي بفيينا وأنا بطريقي لإسرائيل كان جسدي يرتعش اناأصعدالدرج، وفشلت مرات في معالجة الباب. وعندما أضأت الأنوار واجهتني صورة موشيه الكبيرة باللباس العسكري. فمسحت زجاج الإطار وقبلته، وعلقت باقة من زهور البانسيه التي يحبها إلى جواره. لقد خيل الي أن ابتسامته الرائعة تفيض بالعتاب . . بل هي كذلك. فتذكرت . . يا لغبائي . . كيف دفعته بنفسي إلى نهايته، عندما شجعته على الهجرة لإسرائيل. حاولت أن أستعيد ابتسامته فلم أنجح. ).

و في أكتوبر 1973 عادت أمينية إلى بيروت لتكمل مهمتها هناك و قد أكتشفت حقيقتها على أيد (على حسن سلامة)و المخابرات الفلسطينية في 1975 و تم أعتقالها إلى 1980 حيث تم تبادلها بأسـرى فلسطينين بمطار قبرص الدولي ، حيث رجعت أمينة المفتي إلى إسرائيل.


هارى بوتر1988
من هو؟

ولد عام 1963، درزي إسرائيلي، أدين في مصر بتهمة التجسس لصالح العدو الإسرائيلي، وسجن لثمان سنوات قبل اطلاقه في صفقة سياسية عام 2004، . عمل عزام عزام تحت غطاء تجارة النسيج بين الكيان الصهيوني وجمهورية مصر العربية، ولكنه اعتقل عام 1996 في القاهرة بتهمة التجسس الصناعي، ومن ثم اتهم بكتابة معلومات بالحبر السري على الملابس الداخلية النسائية وتمريرها للموساد الإسرائيلي.

المحاكمة

افتتحت محاكمته في 24 نيسان 1997، وأجلت حتى 18 أيار حين غاب عن المحاكمة المحامي عن شريكه في التجسس، المصري عماد عبد الحليم إسماعيل ، تلقى محامي عزام عزام، فريد ديب ، رسالةً موقعة من 12 محامٍ آخر، أعلنوا فيها ان مرافعة ديب للدفاع عن عزام هو خيانة للوطن، وتلويث للسمعة النضالية لنقابة المحامين المصرية، وطالبته الرسالة بالانضمام للحملة ضد الجاسوس وأن النقابة قد تتخذ اجراءات عقابية بحقه ان اكمل دفاعه.

في جلسة 18 ايار، قام ممثل نقابة المحامين بالطلب من المحكمة اعفاء ديب من مهامه الدفاعية، معلنة ان عزام تآمر ضد مصلحة الأمة، المحكمة رفضت الطلب تحت حجة ان لكل متهم الحق بممثل قانوني، وقام الادعاء ايضاً بالاعلان عن ان عزام عزام كان عميلاً مباشراً للموساد الإسرائيلي ما يقود إلى حكم الاعدام.

الادانة

في تموز 1997، أدين عزام عزام بتهمة التجسس ونقل معلومات عن المنشآت الصناعية المصرية إلى إسرائيل، وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة، وحكم على المتهم الآخر عماد عبد الحليم إسماعيل ، بخمسةٍ وعشرين عاماً. رفضت إسرائيل التهمة، وأعلنت ان لا علاقة لعزام عزام باجهزتها الأمنية، وان لا صفة غير مدنية له في مصر. اطلاق سراحه

عام 2004، اوفد رئيس الحكومة الصهيونية السابق ارئيل شارون، رئيس الشاباك آفي داختر إلى مصر وبعد مفاوضات مع الرأس الرسمي المصري، أطلق سراح الجاسوس عزام عزام في 5 كانون أول 2004، بالمقابل أطلقت إسرائيل سراح ستة طلاب مناضلين مصريين كانوا اعتقلوا في الأراضي الفلسطينية المحتلة بتهمة الدخول الغير شرعي والتحضير لعمليات فدائية. أصيبت النخب المعارضة المصرية بخيبة أمل من الصفقة الهزيلة، بعد أن كان الاعتقاد السائد أن إسرائيل ستطلق سراح الطلاب الستة للتعويض على قيامها بقتل ثلاثة جنود مصريين على الحدود في 18 تشرين من العام نفسه، لا سيما ان التوقعات اتجهت مسبقاً للمراهنة على صفقة أهم بكثيراً ثمن الجاسوس الإسرائيلي.

"الامتنان"

بعيد العملية، عبر عزام عزام عن امتنانه للحكومة الإسرائيلية، وتوجه إلى ارئيل شارون قائلاً: "أنا أحبك، لقد أخبرت أخي أني إن لم أخرج من السجن على عهدك، فلن أخرج منه أبداً بعدك"، كما نقلت الصحف الإسرائيلية بعد الصفقة عن مصدر حكومي صهيوني قوله أن "شارون ممتن بشدة للرئيس مبارك[1] وللجنرال سليمان (رئيس المخابرات المصرية) لبادرتهم الانسانية الطيبة التي ستعزز مستقبلاً من العلاقة بين البلدين"
هارى بوتر1988
عماد عبد الحليم إسماعيل هو جاسوس إسرائيلي زرع في مصر في فترة التسيعنيات من القرن الماضي .تم القبض عليه هو وشريكة عزام عزام في عام 1996 .

المحاكمة والإدانة

في يوليو ( تموز ) عام 1997 أدين عماد عبد الحليم إسماعيل بتهمة التجسس ونقل معلومات عن المنشآت الصناعية المصرية إلى إسرائيل ، و حكم عليه المتهم بخمسةٍ وعشرين عاماً بينما حكم على شريكة عزام عزام بالسجن خمسة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة.

تقديم التماس للإفراج عنه

في عام 2004 وبعد الإفراج عن شريكه الجاسوس عزام عزام. قدم محامي عماد عبد الحليم إسماعيل طلب التماس للإفراج عنه الذي أكد أنه يستهدف العفو الدستوري وليس قانوني و إن القانون لا يجيز العفو عن المتورطين في جرائم التجسس أو الرشوة أو التخابر ، إلا أن الدستور أعطى لرئيس الجمهورية الحق في العفو عن أي مجرم مهما كانت جريمته ومساوته بعزام عزام الذي أفرج عنه بعفو من رئيس الجمهورية في صفقة سياسية مع إسرائيل. ولكن حتى الآن لم يتم إ
علان العفو عنه.
هارى بوتر1988
توماس إدوارد لورنس ، ويعرف بلورنس العرب، مقدم (بالإنجليزية: Lieutenant-Colonel ) بريطاني اشتهر بدوره في قيادة القوات العربية خلال الثورة العربية عام 1916 ضد الإمبراطورية العثمانية عن طريق انخراطه في حياة العرب الثوار . صُور عن حياته فيلم شهير حمل اسم : لورنس العرب، شارك فيه الممثل المصري عمر الشريف في أول دور عالمي له. وقد هوجم هذا العمل الدرامي لما رآه البعض افتقاراً للدقة التاريخية ولإسرافه في تصوير دور لورنس في الثورة العربية ضد الخلافة العثمانية.

لاحقا كتب لورنس سيرته الذاتية في كتاب حمل اسم اعمدة الحكمة السبعة.

حياتة الخاصة

ولد في 16 أغسطس 1888 وتوفي 19 مايو 1935. ولد لأم من اسكوتلندا وأب من انجلترا. ظل أعزب و يروي بعض المؤرخين انه كان مثلياً و يستدلون بعلاقتة مع صبي بدوي يدعى سليم احمد الداهوم كان قد رثاه في قصيدة. كما يعتقد البعض بأن إهداءه المبهم (إلى س. أ.) في صدر كتابه الشهير "أعمدة الحكمة السبعة" هو لسليم أحمد، رغم أنه ادعى لاحقاً بأنه وضع الإهداء على نحو عشوائي، وأن الحرفين (س. أ.) لا يحملان أية دلالة فعلية.

مقتله

مضى أكثر من سبعين عاما منذ وفاة لورانس عام 1935عن ستة واربعين عاما بعد سقوطه من دراجته النارية التي كان يقودها بسرعة كبيرة في محيط مدينة اكسفورد وهو عائد إلى البيت من مكتب البريد بحادث قيل أنه كان مفتعلا. أثناء تشييعه كانت هناك شخصيات سياسية وعسكرية مهمة مثل ونستون شرشل، لورد لويد، ليدي آستور، الجنرال وفل، اغسطس جون وغيرهم، اضافة إلى حلقة من اصدقائه الذين يدعونه باسم تي.اي.شو.
هارى بوتر1988
الجاسوسة الفاتنة .....

هي أشهر أنثى عرفها التاريخ ، في هذا المجال ...
مجال الجاسوسية ....

ما من رجل واحد أو امرأة ، ممن يعملون من قريب أو بعيد في ذلك العالم السري ، إلا ويعرف أسمها ، وتاريخها ...حتى السينما خلدتها في أفلام تحمل اسمها نالت شهرة واسعة وحققت أرباحا مدهشة ...

إنها أشهر جاسوسة عرفها التاريخ ...
إنها ( ماتاهاري ) و ( ماتاهاري) هذه راقصة هولندية إندونيسية ...
ولدت في جزيرة ( جاوة ) من أب هولندي وأم إندونيسية ومع مولدها في دقائق الفجر الأولى أطلقت عليها أمها اسم ( ماتاهاري) الذي يعني بالإندونيسية ( نجمة الصباح ) ....

ولتضيف نجمة الصباح هذه إلى ثقافتها الهولندية- الإندونيسية نمطا جديدا ، تلقت تعليمها في أحد المعابد الهندية حيث تعلمت الرقص الهندوسي الإيقاعي الذي كان له أبلغ الأثر في عملها فيما بعد ...
واحبت ماتا هارى ضابط مخابرات هولندى وانتشرت قصه الحب بينهما فى كل انحاء الجزيره..
ثم لم يلبثا ان توجا هذا الحب بالزواج ..
وكان ثمرة الزواج هو ابنتهما الوحيده باندا..
وعلى الرغم من هذا فان الحياه قد استحالت بينهما بسبب طموح ماتاهارى الشديد .. على العكس من زوجها الذى تمسك بوظيفته وراى فيها كل الفخر لنفسه..
ثم تطور الامر حتى انفصلا فحمل الضابط ابنته بعيدا وهو يقسم انها لن تراها مره اخرى..
وجن جنون ماتاهارى وراحت تبحث عن ابنتها فى كل مكان بعد ان تاكدت ان زوجها لم ياخذها معه وانما تركها فى رعايه اسره بديله فى اندونيسيا ..
وتملك الياس من ماتاهارى وقررت الرحيل..
وعلى العكس مما توقعه الجميع .. فان ماتاهارى لم ترحل الى هولندا .. بل الى باريس عاصمه النور والجمال ..
وظلت تتنقل من مهنه الى اخرى .. ولا تستقر فى احداها .. حتى احترفت الرقص وعملت كراقصه محترفه..
ومع رقصها الرائع وذلك الثعبان الضخم الذى تستعين به ماتا هارى فى رقصاتها ..بلغت شهرتها الافاق.. ليس فى باريس وحدها بل انتقلت الى كل انحاء فرنسا .. والى خارجها الى اوروبا .. رغم عدم تقدم وسائل الاتصال فى ذلك الحين ..


حتى فوجئت فى احد الايام باحد ضباط المخابرات الالمانيه فى حجرتها بعد ان انتهت من رقصتها ..
وعرض عليها العمل مباشره لحساب الالمان ..


ولا أحد يدري لماذا قبلت ماتاهاري العمل لحساب الألمان

أهو انتماء فكري إلى الحضارة الألمانية أم بغض للفرنسيين الذين يتعاملون معها كراقصة ملهى

أم أنه حب المغامرة والإثارة ...

لا أحد يدري ...

المهم أن ماتاهاري وافقت على العمل لحساب الألمان وبدأت في توطيد علاقاتها بالمسئولين الفرنسيين ، وكبار قادة الجيش وبدأت المعلومات العسكرية تتسرب إلى الألمان على نحو أقلق رجال الأمن الفرنسيين ، ودفعهم للبحث عن سر تسربها ....

وأحاطت الشبهات بـ ( ماتاهاري ) .. كانت أكثر المقربات للمسئولين ورجال الجيش ، والدبلوماسيين الفرنسيين ، ولكن كل هؤلاء أكدوا أن علاقاتهم بها لم تتطرق أبدا إلى الأسرار السياسية أو العسكرية ..

ولكن شكوك رجال الأمن لم تبتعد عن ماتاهاري ...وفي إصرار راح طاقم أمن فرنسي كامل يراقب ( ماتاهاري ) ليلا و نهارا ،على أمل العثور على دليل إدانة واحد ، يتيح لهم إلقاء القبض عليها ومحاكمتها ...

ولكن شيئا من هذا لم يحدث ...

لقد ظلت ماتاهاري على علاقاتها بالجميع ، دون أن ترتكب خطأ واحدا أو تترك خلفها دليلا – ولو بسيطا – في حين استمر تسرب الأسرار العسكرية بلا انقطاع ....



وهنا قفزت إلى ذهن أحد رجال الأمن فكرة ...

لم لا تكون ( ماتا ) قد استغلت علاقاتها بالدبلوماسيين ، وراحت تنقل رسائلها إلى الألمان عبر الحقائب الدبلوماسية التي لا يجوز اعتراضها أو تفتيشها ...

وكانت فكرة لا بأس بها بالفعل ... فكرة تستحق أن توضع موضع التنفيذ ...وعلى الرغم من أنه لا يجوز اعتراض الحقائب الدبلوماسية أو فحصها وتفتيشها فقد نجح رجال الأمن الفرنسيين في التقاط خطابات باسم ( ماتاهاري ) من إحدى الحقائب الدبلوماسية ، وراحوا يفحصونها ، ويمحصونها ، ويدرسونها بكل دقة ، وعلى الرغم من هذا لم يعثروا على دليل واحد ...

كانت ماتاهاري تستخدم أسلوب شفرة شديدة التعقيد في مراسلة عملاء ألمانيا خارج فرنسا ...
أسلوب يصعب إن لم يكن من المستحيل فك رموزه وحله ...
وثارت ثائرة رجال الأمن عند هذه النقطة ...
ودب الخلاف والشقاق بينهم ...



كان بعضهم يرى ضرورة إلقاء القبض على ماتاهاري قبل أن تنقل إلى الألمان أسرار مخيفة قد تؤدي إلى هزيمة فرنسا في حين يرى البعض الآخر أن إلقاء القبض عليها دون دليل ينذرها بشكوكهم دون أن يكفي لإدانتها ...

ولأن الجو كان مشحونا بالتوتر في هذه الأيام فقد تغلب صوت الحذر على صوت العقل ......

وتم إلقاء القبض على ماتاهاري عام 1916 م ومحاكمتها بتهمة الجاسوسية ......



وحدث ما توقعه الطرف الثاني تماما ...لقد أنكرت ماتاهاري التهمة بشدة ، واستنكرتها وراحت تدافع عن نفسها في حرارة وتؤكد ولاءها لـ فرنسا واستعدادها للعمل من أجلها ...

وبدلا من أن تنتهي المحاكمة بإدانة ماتاهاري بتهمة الجاسوسية انتهت باتفاق بينها وبين الفرنسيين ، للعمل لحسابهم والحصول على أية معلومات سرية لهم ، نظرا لعلاقاتها القوية بعدد من العسكريين والسياسيين الألمان ....

والعجيب أن الفرنسيين وافقوا على هذا ، وأرسلوا ماتاهاري بالفعل إلى مهمة سرية في ( بلجيكا ) حيث التقت ببعض العملاء السريين الفرنسيين هناك وقدمت لهم العديد من الخدمات النافعة ...

ولقد عملت ماتاهارى بالفعل لحساب الفرنسيين فى حماس واخلاص .. كذلك لحساب الالمان..ولكن اللعب على الحبلين لا يدوم طويلا .. خاصه مع الالمان.. الذين اكتشفوا الامر ..


وارادوا ان يردوا لها الصاع صاعين..



وبدا الالمان فى مراسلتها بشكل صريح..



لقد أرسلوا لها خطابات شفرية ، مستخدمين شفرة يفهمها الفرنسيون جيدا ، مما جعل الفرنسيون يلقون القبض على ماتا مرة ثانية .... بتهمة التجسس مع وجود الخطابات كدليل هذه المرة ..


وفي هذه المرة لم تنجح ماتا في ٌإقناع الفرنسيين ببرءاتها..
وتوسلت .. واستنجدت واشارت الى تعاونها مع الفرنسيين..
ولكن احد لم يستمع اليها..
ومرة أخرى تمت محاكمة ( ماتاهاري ) في باريس ....
وصدر الحكم بإعدامها .... و ...

تم تنفيذ الحكم في ماتاهاري ....
لينسدل الستار على اشهر جاسوسه ..

أِشهر جاسوسة في التاريخ

الجاسوسة الفاتنة ...
هارى بوتر1988

اصغر جاسوس فى العالم


قصة هذا الجاسوس قصة فريدة بالفعل فهي تجمع بين جنباتها الغرابة والطرافة


والإثارة في وقت واحد..


هي قصة طفل مصري كان يرعى الأغنام ويقوم بتربية الدجاج في صحراء سيناء..


اندفع في طريق المخابرات العامة المصرية التي كانت وقتها تدير حربا من نوع خاص مع العدو الإسرائيلي بعد نكسة 1967حققت فيها انتصارات ساحقة لم يفق منها العدو إلا على انتصار اكبر في أكتوبر1973م..




الطفل صالح واحد من أبطال عالم الجاسوسية والمخابرات الذين خدموا وطنهم في الصغر والكبر فكما كان صالح وقتها اصغر جاسوس في العالم وأكبر من اذاق العدو الصهيوني مرارة الهزيمة،



الآن هو يحتل موقعا حساسا في أحد الأجهزة الأمنية المصرية


وكأنه أخذ على عاتقه خدمة الوطن وحمايته في الكبر والصغر.



في العام 1968 وبينما تلقي النكسة بظلالها على الجميع وتعيش إسرائيل في زهو بأنها ألحقت الهزيمة بالجيش المصري، واحتلت شبه جزيرة سيناء، وأقامت الحصون والمواقع المنيعة بطول القناة وداخل الأراضي المصرية التي سيطرت عليها


كانت هناك بطولات على الجانب الآخر أسفرت عن نتائج باهرة كانت في طي الكتمان إلى وقت قريب حتى تم الكشف عنها ومنها قصة الطفل المصري «صالح» أصغر جاسوس في العالم...


فبينما كان مكتب المخابرات المصرية في شغل لا ينقطع لجمع المزيد من المعلومات عن العدو، وعدد قواته، ونوعية الأسلحة التي يمتلكها وطبيعة معيشة جنوده، والحراسات الليلية، وطبيعة حصونهم، كان «صالح» يعمل في جو الصحراء المحرقة على رعي الأغنام وتربية الدجاج محاولا الاحتماء بظل الكوخ الصغير الذي يقطنه والده الشيخ «عطية» وأمه «مبروكة علم الدين» وذلك بالقرب من بئر قليل المياه داخل سيناء.



كان الطفل يداعب طفولته مع الأغنام والدجاج، ويتأمل الفضاء الواسع بخياله المتطلع إلى السماء، لم يسرح خياله إلى أن يكون علامة مضيئة أمام القوات المصرية وهي تعبر قناة السويس لتحقق النصر وترفع القامة العربية عاليا في كل مكان، ولم يفكر يوماً في أنه سيكون مساعدا للمخابرات المصرية خلف العدو الإسرائيلى، ويقوم بزرع أدق أجهزة للتصنت داخل مواقع الجيش الإسرائيلي ليصبح أصغر جاسوس عرفه التاريخ.



تجنيد الطفل


ظلت المخابرات تفكر في كيفية الحصول على المعلومات من خلف وداخل مواقع العدو، وكيف تحقق درجة الأمان العالية لمن يؤد هذا الغرض؟ وفي ظلمات الليل الدامس والرياح الشديدة تسلل ضابط مخابرات في ذلك الوقت ويدعى «كيلاني» إلى أرض سيناء، وكان متنكرا في زي أعرابي يتاجر في المخدرات، تحدى الضابط صعوبات الصحراء حتى وصل إلى بئر المياه، وأخذ يتناول جرعات منه، وشاهده والد الطفل صالح، وكعادة العرب ضايفه في كوخه الصغير، ودار حوار بين الضابط المتنكر في زي تاجر، وعطية والد صالح انتهى بتكوين صداقة، أراد الضابط تجنيد الأب لصالح المخابرات المصرية ولكن حدث أثناء استضافة والد صالح للضابط الذي كان حريصا في معاملاته وسلوكه حتى يتعود الأب عليه أن أقنعه أنه بانتظار عودة شحنته التجارية، وفي اليوم التالي ترك الضابط مجلس الأب عطية وأخذ يتجول حول بيته يتأمل السماء حتى وصل إلى الطفل وأخذ يداعبه حتى لا يشك الأب في سلوكه، وإثناء ذلك خطر ببال ضابط المخابرات المصرية أغرب فكرة وهي تجنيد الطفل صالح بدلا من الأب وتعليمه وتلقينه دروسا في التخابر، وكيفية الحصول على المعلومات من العدو الصهيوني، وأخذ الضابط يدرس هذه الفكرة مع نفسه خاصة أنه من الصعوبة الشك في طفل، كما أن الطفل نفسه يحمل روحا وطنية وهذا ما لاحظه الضابط، الذي ظل أياما معدودة ينفرد بالطفل بحذر شديد حتى استطاع تجنيده، وعندما اطمأن إليه وإلى قدرته على استيعاب ما طلبه منه، وقدرته على تحمل المهمة الصعبة قرر الرحيل. وبعدها اجتمع مع والد الطفل على مائدة الطعام و شكره على استضافته ثم طلب الرحيل لتأخر قافلته التجارية، وعندما ذهب ليقبل الطفل اتفقا سويا على اللقاء عند صخرة بالقرب من الشاطئ.




السر في الدجاجة


كان اللقاء الأول عند الصخرة لقاء عاصفا فقد تأخر الطفل عن الموعد واعتقد الضابط أن جهده قد ضاع، ولكن من وقت لآخر كانت الآمال لا تفارق الضابط في الحصول على أسرار مواقع العدو، كانت الثواني تمر كأنها سنوات مملة حتى ظهر من بعيد جسد نحيف لقد كان الطفل «صالح» الذي جاء يبرر تأخيره بأنه اختار الوقت المناسب حتى لا يلمحه أحد، كان الطفل يعرف أن مهمته صعبة، ودوره خطير، وأن حياته معلقة على أستار أي خطأ يحدث، تلقى الطفل بعض التعليمات والإرشادات التي تجعله في مأمن وذهب ليترك الضابط وحيدا شارد الفكر يفكر في وسيلة تسمح «لصالح» بأن يتجول في مواقع الإسرائيليين بحرية كاملة حتى جاء اليوم التالي لموعد اللقاء مع الطفل صالح الذي كان يحمل معه بعض البيض من إنتاج الدجاج الذي يقوم بتربيته وما أن شاهد الضابط الطفل حتى صاح وجدتها انها الدجاجة التي ستمكنك من الدخول إلى مواقع العدو بدون معاناة أو شك فيك، إنها الدجاجة مفتاح السر لم يع الطفل شيئا، واندهش لصراخ الضابط الذي كان دائما هادئا، وجلسا على قبة الصخرة ليشرح له الفكرة التي ستكون الوسيلة لدخوله مواقع العدو والحصول على المعلومات بدون صعوبة أو شك في سلوكه.



صداقات


تركزت الفكرة في قيام «صالح» ببيع البيض داخل المواقع للجنود الإسرائيليين، وبالفعل تمت الفكرة بنجاح وبدأ الطفل يحقق صداقات داخل المواقع ومع الجنود لقد كان صديقا مهذبا وبائعا في نفس الوقت، وكان يبيع ثلاث بيضات مقابل علبة من اللحوم المحفوظة أو المربى، وداومت المخابرات المصرية على الاتصال به وتزويده بما يحتاج من البيض لزيارة أكبر قدر من المواقع حتى يمكن جمع المعلومات منها.



وبعد شهر تقريبا بدأت مهمة الطفل في جمع المعلومات بطريقة تلقائية من خلال المشاهدة والملاحظة وبعد أشهر معدودة جذب عددا من الجنود لصداقته فكان يجمع المعلومات بطريقته البريئة من خلال الحديث معهم، كان في كل مرة يحمل مجموعة قليلة من البيض يبعها ثم يعود إلى منزله يحمل مجموعة أخرى إلى موقع آخر تعود على المكان وتعود عليه الجنود حتى أنهم كانوا يهللون فرحا حينما يظهر.
ومع الأيام تكونت الصداقات واستطاع الطفل التجول بحرية شديدة داخل مواقع العدو بدون أن يحمل معه البيض كان يتعامل بتلقائية شديدة وبذكاء مرتفع لم تكن أبدا ملامحه تظهر هذا الذكاء، وظل يداعب الجنود، ويمرح معهم ويمارس الألعاب معهم، يستمع لما يقولون وكأنه لا يفهم شيئا وما أن يصل إلى الضابط حتى يروي له بالتفاصيل ما سمعه من الجنود، وما شاهده في المواقع بدون ملل.



معلومات قيمة


وبعد أربعة أشهر بدأ حصاد الطفل يظهر في صورة معلومات لقد استطاع أن يقدم للمخابرات المصرية ما تعجز عنه الوسائل المتقدمة، وتكنولوجيا التجسس وقتذلك.


فقد نجح في التعرف على الثغرات في حقول الألغام المحيطة لأربعة مواقع مهمة بها المدافع الثقيلة بالإضافة إلى مولدات الكهرباء، ووضع خزانات المياه، وبيان تفصيلي عن غرف الضباط، وأماكن نوم الجنود وأعداد الحراسة الليلية، وكل التفاصيل الدقيقة حتى الأسلاك الشائكة، وكان يستطيع الطفل رسمها، ومع تعليمات ضابط المخابرات استطاع الطفل التمييز بين أنواع الأسلحة ظل الطفل يسرد للمخابرات ما يحدث داخل المواقع من كبيرة وصغيرة وبناء على ما تجمعه المخابرات من الطفل ترسم الخطط المستقبلية لكيفية الاستفادة القصوى من الطفل مع توفير أكبر قدر من الأمان والرعاية له.



مضايقات


كثيرا ما كان يتعرض الطفل أثناء احتكاكه بالجنود الصهاينة للمضايقات والشتائم وأحيانا الضرب من بعضهم لكن دون شك فيه، وكان ضابط المخابرات المصرية «كيلاني» يخفف عنه الآلام، ويبث فيه روح الصبر والبطولة وكان أصدقاؤه من الجنود الإسرائيليين أيضا يخففون عنه الآلام، وينقذونه من تحت أيدى وأقدام زملائهم، وكان من أبرز أصدقاء الطفل «صالح» ضابط يهودي من أصل يمني يدعى «جعفر درويش» من مواليد جيحانه في اليمن وكان قائداً للنقطة 158 المسماة بموقع الجباسات، ظل الطفل يتحمل مشقة المهمة حتى جاء شهر سبتمبر 1973 قبل الحرب بشهر واحد.
وبعد اختباره في عملية نفذها الطفل بدقة عالية قام ضابط المخابرات المصرية بتزويد الطفل بقطع معدنية صغيرة، وتم تدريبه على كيفية وضعها في غرف قادة المواقع التي يتردد عليها وطريقة لصقها من الوجه الممغنط في الأجزاء الحديدية المختفية كقوائم الأسرة وأسقف الدواليب الحديدية، وكانت هذه العملية مملوءة بالمخاطر والمحاذير، وكان هناك تردد من قيام الطفل بها حتى لا يتعرض للمخاطرة، ولكن الطفل رغب في القيام بهذه المهمة وذهب وترك الضابط في قلق شديد.



قلق وحيرة


كانت تراوده الظنون التي لا تنقطع، ظل الضابط ناظرا إلى السماء لا يستطيع الجلوس في مكان حتى قاربت الشمس على المغيب فزاد القلق والحيرة والتساؤل:


هل تم القبض على الطفل؟


لابد أنه يذوق ألوان العذاب الآن وما العمل؟


وكيف الخلاص إذا تم اكتشاف الطفل؟


كيف يمكن تخليصه من هذا العدو الصهيوني؟


ووسط هذه التساؤلات ظهر الطفل ليغمر وجه الضابط فرحة لا يمكن تصورها. لقد عاد بكامل صحته حاملا لعلامة النصر واستطاع إنجاز أصعب عملية في حياته ليسجل التاريخ اسمه، لقد مكنت العملية الأخيرة التي قام بها الطفل باقتدار المخابرات المصرية من الاستماع من خلال هذه القطع المعدنية التي بداخلها جهاز إرسال دقيق إلى كل ما يدور داخل حجرات القيادة من أحاديث وأوامر من كيفية التعامل مع هذه المواقع أثناء العبور، كما استطاع المصريون التعامل مباشرة أثناء المعركة مع هذه المواقع بتوجيه إنذارات إليهم للاستسلام.



كل هذا ولم يكشف الضابط في زيه الإعرابي عن شخصيته للطفل وقبل الحرب بعشرين يوما وصدرت الأوامرمن المخابرات المصرية بنقل الطفل وأسرته إلى القاهرة، ولم يكن الأمر سهلا خاصة فقد نقل صالح وعائلته من الصحراء إلى القناة وتم عبورهم للقناة ومنها إلى «ميت أبو الكوم» حيث كان الرئيس الراحل محمد أنور السادات في استقبالهم وبعد أيام من نصر أكتوبر أدرك الطفل صالح مدى أهمية ما قام به من أعمال خارقة ساهمت في انتصارات أكتوبر ودخل صالح مبنى المخابرات المصرية فوجد الإعرابي المهرب مرتديا زيا مدنيا لتملأ الدهشة وجه الصغير، ويقوم الضابط «كيلاني» برعايته في التعليم ويدور الزمان ليجلس الطفل مكان «الرائد كيلاني» على مقعده وفي غرفته
هارى بوتر1988

الاسم الحقيقي : محمد نسيم

الاسم الحركي : ذئب المخابرات الأسمر
تاريخ التحاقه بالمخابرات : 1956
تاريخ انهاء خدمته بالمخابرات : 1975
محمد نسيم 1927-2000 ضابط سابق في المخابرات المصرية و أحد ضباط الجيش المصري الذين انضموا لتنظيم الضباط الأحرار ، وشارك ضمن الصف الثاني من رجال الثورة ، وعندما تولى اللواء صلاح محمد نصر الشهير بصلاح نصر رئاسة جهاز المخابرات العامة المصرية كان محمد نسيم أحد مديري العمليات بالجهاز ورجل المهام الصعبة وللحق فان إنشاء الجهاز على صورته تلك . كان لجهود رجاله وإدارة صلاح نصر رئيس الجهاز على الرغم من انحرافه فيما بعد نتيجة للسلطة المطلقة التي تمتع بها في ظل حماية المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية وقائد الجيش المصري آن ذاك، أشهر عملية لمحمد نسيم هي إعادة تقييم مندوب المخابرات العامة المصرية السابق رفعت الجمال

المولد والنشأة
ولد محمد نسيم في القاهرة القديمة. في حي المغربلين. المعروف بالدرب الأحمر، كان البيت الذي تربي فيه يقع خلف مسجد المردائي. وهو مسجد لم يكن بالنسبة إليه مكانا للصلاة فقط وإنما للمذاكرة أيضا. قبل أن يكمل ثلاث سنوات توفيت والدته ، وفي الخامسة عشرة من عمره انتقلت عائلته إلي حي المنيرة القريب من النادي الأهلي فكانت ملاعب الهوكي وحلبات الملاكمة مفتوحة أمامه ،وفيما بعد أصبح بطل الكلية الحربية والقوات المسلحة في الملاكمة. وفيما بعد أيضا أصيب في مباراة للهوكي بين مصر وباكستان في أنفه. لكنه سرعان ما اعتزل الملاكمة عندما وجد نفسه يتلقي لكمة قوية من منافسه علي بطولة الجيش عام 1951 صلاح أمان أفقدته الوعي. ورغم أنه فاز في المباراة بالضربة القاضية إلا أنه لم يشأ أن يعيش تلك الحالة مرتين.. علي أن الرياضة منحته فرصة الزواج من إحدى بطلات مصر في الجمباز. تخرج من الكلية ليلتحق بسلاح المدرعات . وتخرج من الكلية سنة 1951 اى قبل قيام الثورة والمدة التى قضاها داخل الكلية سنتين . شارك سنة 1956 فى حرب السويس . وقت العدوان الثلاثى على مصر . بعد تلك الحرب تم اختياره للالتحاق بجهاز المخابرات العامة المصرية وكان الجهاز حديث النشأة وقت ذاك . عمل نسيم في قسم ( الخدمة السرية ) وهو الجهاز المسئول عن زرع الجواسيس والمخطط والمدبر لاى عمليات لاختراق أجهزة العدو . أما جهاز ( الأمن القومي ) فمهته مكافحة الجواسيس سواء كانوا أجانب او مصريين يعملون لحساب العدو . مع الوقت بدأ يثبت جدارته ونفسه داخل الجهاز حتى أن بعض العمليات التي قام بها تمت بتكليف من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مباشرة .

أسندت إليه عمليات كثيرة وكثيرة كان ينهيها منتصرا وبطلا ,. وعمليات أخرى شارك فيها محمد نسيم ( ذئب المخابرات الأسمر ) هذا الاسم الذي أطلقه عليه ضابط المخابرات الشهير عبد المحسن فائق مكتشف الجاسوس المصري رفعت الجمال

ترك محمد نسيم المخابرات في السبعينيات بعد حرب أكتوبر وبالتحديد سنة 1975 وأصبح مسئولا عن هيئة تنشيط السياحة في جنوب سيناء . توفى فجر الأربعاء 22 مارس 2000 , متأثرا بجلطه في الدم كان لها سببها.، له من الأولاد اثنان هشام وفؤاد ويعملان في مجال السياحة حاليا .

من هو .. ؟!!
هو أحد ضباط الجيش المصري الذين انضموا لتنظيم الضباط الأحرار .. وشارك ضمن الصف الثانى من رجال الثورة .. ومع بدء التفكير فى انشاء جهاز مخابرات مصري فى أوائل عام 1954م .. قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتكليف أحد رجال الثورة وهو فتحى الديب بتولى هذا الأمر فنشأت لجنة تابعة للجيش تقوم بأعمال التجسس والتخابر .. ثم تطور الأمر مع ازياد الحاجة الى جهاز مخابرات محترف على نفس النسق العالمى الذى ظهر فى الحرب العالمية الثانية .. والذى كانت لأجهزة المخابرات الفضل الأول ان لم يكن الوحيد فى انهائها لصالح الحلفاء .. أسند الرئيس جمال عبد الناصر الأمر اى زكريا محيي الدين وعلى صبري .. ليخرج الى الوجود جهاز المخابرات المصري .. ولكنه ولأنه جهاز ما زال يبحث عن هوية الاحتراف .. لذا تكلف انشاؤه من الجهد والوقت ما يفوق التصور فى وسط أجهزة معادية عملاقة كالموساد الذى تأسس قبل اعلان دولة اسرائيل أساسا وكان رجاله وضباطه من المحترفين الذين خاضوا غمار الحرب العالمية الثانية واكتسبوا الخبرة الطاغية التى افتقد اليها المصريون .. لكن .. ولأن المقاتل المصري بطبعه كاره للهزيمة والاستسلام ولا يعرف معنى المستحيل .. تمكن الرعيل الأول من الضباط الذين كونوا لبنة الجهاز الأولى من جمع الكثير من المراجع وكتابات الخبراء وعكفوا بصبر مدهش على دراستها واستخلاص ذلك العلم الغزير نحتا فى الصخر .. وكان هذا الرعيل .. عدد من ضباط القوات المسلحة الشبان من من يمتلكون شجاعة وجسارة المقاتلين مع الذكاء الفطرى .. ومنهم على سبيل المثال .. فتحى الديب .. وعبد المحسن فائق .. وحسن بلبل .. وعبد العزيز الطودى .. وصلاح نصر وبطلنا .. البكباشي " المقدم " فى ذلك الوقت .. محمد نسيم

كان محمد نسيم من ذلك الطراز من الرجال الذى يمتلك قلب أسد كما أطلق عليه رفاقه .. وعقل الثعلب .. وصبر الجمال .. واصرار الأفيال .. كان نادرا بحق .. رحمه الله وطيب ثراه .. وعندما تولى اللواء صلاح محمد نصر الشهير بصلاح نصر رياسة جهاز المخابرات العامة كان محمد نسيم أحد مديري العمليات بالجهاز ورجل المهام الصعبة ويكفي لبيان مدى سمعته الخرافية أن رئيس الجمهورية كان يتصل به مباشرة فى عدد من العمليات فائقة الحساسية وما أكثرها فى ذلك الوقت .. وفى بداية الستينيات كان جهاز المخابرات العامة مكتمل البناء .. وخاض العديد من العمليات العملاقة فى تاريخه ضد المخابرات الاسرائيلية والأمريكية .. وللحق .. فان انشاء الجهاز على صورته تلك .. كان لجهود رجاله وادارة صلاح نصر رئيس الجهاز على الرغم من انحرافه فيما بعد نتيجة للسلطة المطلقة التى تمتع بها فى ظل حماية المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية وقائد الجيش المصري وبطل فضيحة النكسة المريرة ..



رفعت الجمال
وكانت أولى عمليات محمد نسيم التى أكسبته سمعته الرهيبة بين رفاقه .. اعادة تأهيل العميل المصري الأشهر " رفعت الجمال " الشهير باسم " رأفت الهجان " . كان رفعت الجمال قد سافرالى اسرائيل فى منتصف الخمسينيات واستقر بها بعد أن نجح فى زرعه رجل المخابرات العتيد اللواء " عبد المحسن فائق " المعروف باسم " محسن ممتاز فى المسلسل الشهير الذى حكى قصتة .. ومنذ أن تم زرعه فى اسرائيل وحتى بداية الستينيات لم تستفد منه المخابرات المصرية شيئا الا المعلومات التى أرسلها فى حرب العدوان الثلاثي .. وللحق فلم يكن هذا تقصيرا من رفعت الجمال .. أو معلمه عبد المحسن فائق .. بل كانت الظروف أقوى منهما لضعف الامكانيات التدريبية التى تلاقاها رفعت وكان جهاز المخابرات لم يزل وليدا فى ذلك الوقت ..
وعلم المخابرات تطور تطورا مدهشا وسريعا عبر السنوات الخمس التى أمضاها رفعت فى اسرائيل فكانت الحاجة ماسة الى رجل مخابرات من طراز فذ يتمكن أولا من السيطرة على رفعت الجمال صاحب الشخصية شديدة العناد ويقوم بملئ الفراغ الذى تركه اللواء عبد المحسن فائق فى أعماقه .. وذلك حتى يتمكن من اقناعه بمواصلة التدريب والعمل ..
وكان ضابط الحالة الذى تولى عملية الجمال هو عبد العزيز الطورى الشهير باسم " عزيز الجبالى " .. وبعد دراسة عميقة لشخصية رفعت .. ومع استحالة عودة اللواء عبد المحسن فائق من مقر عمله فى الولايات المتحدة فى ذلك الوقت .. لم يجد عبد العزيز الطورى الا قلب الأسد محمد نسيم المعروف بصرامته وشخصيته القوية ونبوغه الفائق وهو النموذج المماثل لعبد المحسن فائق ..
وتم اللقاء بين قلب الأسد وبين رفعت .. ولم تمض ساعات على لقائهما الا وكان محمد نسيم وهو بالمناسبة الشهير باسم " نديم هاشم " فى مسلسل " رأفت الهجان .. وقام بدورة باقتدار بالغ الفنان المصري نبيل الحلفاوى فى واحد من أعظم أدواره على الاطلاق لا سيما وأن نبيل الحلفاوى كان يشبه اللواء محمد نسيم فى الشكل والأداء الى درجة مذهلة ..
لم تمض ساعات على اللقاء بين العملاقين رفعت ونسيم .. الا وكان نسيم قد ألقي بغياهب شخصيته الفريدة فى وجه المتمرد النابغة رفعت الجمال ..
وكان رفعت الجمال قد أبصر بعيونه عبر المعايشة لليهود . كيفية التقدم المدهش هم فى مجال الأمن .. وكان فى أمس الحاجة الى من يريه تفوق بلاده .. وقد كان .. تمكن نسيم عبر التدريبات المكثفة من اقناع رفعت بمدى التقدم المدهش الذى أحرزه المصريون على الاسرائيليين فى المواجهات المباشرة بينهما ..
وبعد أسبوعين من التدريب المستمر والشاق ..
خرج رفعت الجمال فى مستوى ضابط حالة وهو المستوى الأعلى لأى عميل مدنى فى نظم المخابرات .. ووقع تحت الاشراف المباشر لعبد العزيز الطورى وللتدريب على يد محمد نسيم لتكتسب مصر كما رهيبا من المعلومات باغة السرية التى أرسلها رفعت لا سيما بعد تمكنه من بسط علاقاته ونفوذه فى مجتمع تل أبيب بتعليمات نسيم عبر شركة " سي تورز " والمعروفة باسم " ماجى تورز " وفى قلب تل أبيب واصل نجم المجتمع الاسرائيلي " جاك بيتون " وهو الاسم المستعار لرفعت الجمال وهو الاسم الذى عرف فى المسلسل بـ " دافيد شارل سمحون " .. وبلغت علاقاته حدا جعله صديقا شخصيا للجنرال موشي ديان وجولدا مائير رئيسة الوزارة الشهيرة .. كل هذا بفضل نبوغ رفعت الشخصي .. وبراعة معلمه الفذ " محمد نسيم " .. ومن قبل هذا وذاك النصرة الالهية لأناس نصروا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

الصدمة ..
كانت نكسة 67 .. مدمرة فى آثارها الى حد رهيب على العالم العربي أجمع .. الا أنها كانت ذات تأثير صاعق على الأسود الرابضة فى عرين المخابرات العامة المصرية الكائن فى حى حدائق القبة بالقاهرة الواقع خلف قصر القبة الشهير .. ولكى تتأملوا الأثر وتقدروه .. يكفي أن تعلموا أن مصر كلها ذاقت الهزيمة الا هذا الجهاز كان هو المنتصر على أى مقياس منطقي .. فقد تكفل رجاله ونجومه وعلى رأسهم رفعت الجمال بمعرفة كل التفاصيل الدقيقة والخرائط لخطة الحرب العسكرية فى 67 .. وقاموا بارسالها الى قيادتهم السياسية المغيبة .. ليفاجئ الأبطال بالنكسة وهم الذين كادوا يعطون قياداتهم أسماء الجنود والقادة من العدو اسما اسما لو طلبوا اليهم ذلك .. ولكن لعوامل كثيرة .. ليس هذا مكانها وقعت الواقعة وانهزمت مصر هزيمة ساحقة كادت تعبر بها حافة اليأس لولا توفيق الله والارادة الفولاذية التى قدت من الصخر .. وبدأت معارك الاستنزاف .. وتزلزلت القوات الاسرائيلية بكم العمليات الصادمة التى انتقت عيون أسلحة ورجال العدو مع المعلومات الغزيرة التى تولاها الرجال فى المخابرات العامة .. وذلك بعد تطهير الجهاز من قياداته المنحرفة .. وتولى محمد نسيم وأمين هويدى مسئولية اعادة الأمور الى نصابها فى جهاز المخابرات العامة عقب النكسة .. وأرسل عبد الناصر الذى كاد الندم يقتله .. الى محمد نسيم .. وتواعدا بالحديث وتقاسما الهم سويا ليتذكر عبد الناصر مدى قدرة الأسد الرابض أمامه وذكره باحدى عملياته التى لاقت شهرة واسعة على الرغم من سرية أعمال المخابرات فى العادة ..

عملية عبد الحميد السراج ..
على عبد الحميد السراج .. ضابط جيش سورى .. معروف جدا .. فهو أحد الضباط الوطنيين النوابغ فى سوريا والذى نأى بنفسه عن كم الانقلابات الرهيبة التى تتابعت فى سوريا على يد حسنى الزعيم .. وأدب الشيشيكلى .. وسامى الحناوى .. ومصطفي حمدون .. وغيرهم من نجوم انقلابات سوريا العسكرية فى الفترة التى أعقبت التحرير على يد شكرى القويتلى .. وبدأ ظهور عبد الحميد السراج عقب التزامه بالخط الوطنى .. قبيل الوحدة مع سوريا .. ولمع اسمه فى مصر عند عبد الناصر نفسه عقب قيامه باسداء جميل العمر الى مصر كلها .. وهو الجميل الذى لم تنسه له مصر وقيادتها .. فعبد الحميد السراج هو رجل المخابرات العسكرية السورى الذى تولى تدمير خطوط أنابيب البترول الممتدة من العراق عبر سوريا الى سواحل البحر المتوسط لتصب فى الناقلات البريطانية لتغذية احتياجات بريطانيا من البترول ... وكانت هذه العملية أثناء تعرض مصر للعدوان الثلاثي .. ليصبح تدمير خطوط أنابيب البترول الشعرة التى قصمت ظهر البعير وكان البعير هنا هو أنتونى ايدن رئيس الحكومة البريطانية والذى قدم استقالته عقب فشل عدوان السويس عام 56 ..
وكان طبيعيا مع بدء الوحدة المصرية السورية عام 1959م .. أن يلمع نجم عبد الحميد السراج أكثر وأكثر فتدرج فى السلطة حتى ولاه عبد الناصر نيابة القسم الشمالى وهو سوريا ليصبح نائبا لرئيس الجمهورية السورية ومع العلاقة الوثيقة التى جمعته بعبد الناصر خاصة بعد عملية أنابيب البترول وأيضا كشفه للمؤامرة التى استهدفت حياة عبد الناصر أثناء زيارته لسوريا عقب الوحدة .. من هذا كله تمكن عبد الحميد السراج من السيطرة ليس فقط على الأمن الداخلى كوزير للداخلية فى الاقليم الشمالى وتولى نيابة الرياسة بل سيطر أيضا على المخابرات وأجهزة الاقتصاد والتنظيم السياسي الوحيد وهو الاتحاد الاشتراكى ليصبح عبد الحميد السراج أقوى رجل فى سوريا بأكملها ..
ولأن السلطة المطلقة مفسدة فى كل الأحوال .. فقد تغلبت أجواء السلطة على نقاء السراج .. لتتدهور الأمر أكثر وأكثر خاصة بعد فشل الوحدة المصرية السورية عام 1961 م .. وأتت نهاية عبد الحميد السراج على يد الانقلاب الذى أطاح به من قمة الحكم السورى .. عندما غفل عن ضابط الجيش السورى ومدير مكتب عبد الحكيم عامر الذى كان يتولى الرياسة فى الاقليم الشمالى للوحدة وكان هذا الضابط هو عبد الكريم النحلاوى .. والذى استهان به السراج فتمكن النحلاوى من قيادة تنظيم سري فى الجيشش ضده وأطاح به وطرد عبد الحكيم عامر من سوريا فى فضيحة مدوية .. ليتم اعتقال السراج فى أبشع المعتقلات السورية وهو " سجن المزة " وكان وقع الصدمة مدمرا على عبد الناصر ..
الا أنه سلم بالأمر الواقع ونفض موضوع الوحدة مؤقتا وألقي بصره على مصير السراج المظلم فى أيدى خصومه المتعدديبن ..

فالسراج كان له أعداء فى القوات المسلحة السورية وهى منفذة الانقلاب عليه .. وله عداوات رهيبة فى لبنان نتيجة لتدخله فى الشأن اللبنانى عندما اقتضت الظروف ذلك .. وله عداء قديم وثأر رهيب عند أصحاب مؤامرة اغتيال عبد الناصر .. اضافة الى عداء تقليدى من الموساد والمخابرات الأمريكية ورجالهما بلبنان .. فلك عزيزى القارئ أن تتخيل كيفية المصيدة التى وقع فيها السراج .. ولك أن تتخيل أكثر .. كيف يمكن تحقيق المستحيل وانقاذه منها .. أرسل عبد الناصر الى محمد نسيم وكلفه بانقاذ السراج مهما كان الثمن ..
وكلمة مهما كان الثمن فى عرف العمل المخابراتى تعنى أنه لا مستحيل .. وسافر نسيم منفردا الى لبنان لهذا الغرض .. وفى تلك اللحظة كان السراج يهرب من سجن المزة الرهيب بمعاونة عدد من ضباط الجيش الذين كانوا لا يزالون على ولائهم للسراج .. وانتقل فيما يشبه المعجزة وعبر رحلة شاقة ووعرة الى لبنان ليلقي خبر هروبه قد سبقه الى لبنان وعشرات الذئاب الجائعة فى انتظاره .. وكشف الموساد وجود نسيم فى لبنان .. وكذلك كشفه اللبنانيون .. وغيرهم .. وتعرض فى تلك المهمة فقط لتسع محاولات اغتيال نجا منها جميعا كان آخرها عن طريق وضع قنبلة فى أنبوب العادم بسيارته وكانت تلك المحاولة غير قابلة للفشل لأن تلغيم السيارات كان من المعروف أنه يكون عن طريق تلغيم المقعد أو المحرك أو جسم السيارة السفلى .. أما وضع القنبلة فى أنبوب العادم فهو الابتكار غير قابل للكشف .. ومع ذلك فقد اكتشفها نسيم .. وفشلت المحاولة .. بل ونجح فى الخروج بالسراج من لبنان الى مصر وللأسف الشديد فكيفية الخروج ما زالت قيد السرية الى يومنا هذا .. ونال السراج مكانه فى مصر آمنا مطمئنا ..
نجم من عالم مغاير للذى نعرفه ... عامله يلفه الغموض و تحيطه السرية بجدران و حجب ... اللقاء هذه المرة مع رجل المخابرات المصرى الفذ اللواء (محمد نسيم) والذى اشتهر فى أروقة جهاز المخابرات بلقب (نسيم قلب الأسد) .. هذه الشخصية الفريدة .. وكيل المخابرات العامة الأسبق بمصر .. ووكيل أول وزارة السياحة المصرية فى نهاية الثمانينات هذا الرجل الأسطورة المجهول دورا وعظمة لدى الكثرة الغالبة من أبناء مصر .. مصر التى فداها وذاد عن حياضها كأكمل ما يكون الجهاد .. رحمه الله من فارس .. ورحمه الله من عقلية جبارة ..

لقد حاولت أن أجمع أكبر قدر من المعلومات عن الرجل ... لكنى لم أحصل على الكثير .. ولهذا أترككم مع ما استطعت أن أجمعه ..


عملية الحاج
كانت واقعة نية اسرائيل التنقيب عن البترول فى سيناء كما سبق القول نية سياسية لا اقتصادية .. وقد بعثت الى احدى الشركات الكندية لاستقدام أحد أكبر الحفارات فى العالم لاستخدامه فى التنقيب وهو الحفار " كينتج " .. وقد خططت اسرائيل بدقة لهذه العملية .. وقامت عمدا باستيراد هذا الحفار الكندى والذى تجره قاطرة هولندية وعليه بحار بريطانى .. لكى تعجز مصر عن ضرب الحفار بالطيران عند اقترابه من البحر الأحمر .. لأن مصر اذا غامرت بضرب الحفار علانية فمعنى هذا أنها استعدت عليها ثلاث دول كبري على الأقل .. ولأنها تعلم تماما أن المخابرات العامة لن تترك الحفار .. فقد احتاطت للأمر وقامت بتأمين الخطوط الملاحية للحفار القادم عبر المحيط الأطلنطى الى رأس الرجاء الصالح ثم البحر الأحمر .. وقامت بانتقاء خطوط سير ملاحية بالغة السرية وغير مألوفة .. كما جند الموساد رجاله وأجهزته بمعاونة المخابرات المركزية الأمريكية لمصاحبة الرحلة وحماية الحفار .. لكن من قال ان المصريين يعرفون المستحيل .. شكل محمد نسيم فريق عمل من أفضل رجال المخابرات العامة وخبراء الملاحة وضباط القوات البحرية .. لتبدأ عمليه الحاج .. وكان سبب تسميتها مزامنه أحداثها لموسم الحج وقام محمد نسيم بتجنيد عملاء المخابرات العامة فى الدول التى سيمر الحفار عبر سواحلها وأعطى أوامر بضرورة التفرغ لهذه العملية .. وقام باستقدام فريق من أكفأ رجال الضفادع البشرية التابع للبحرية المصرية .. حيث استقرت الخطة على زرع متفجرات شديدة التدمير فى قلب البريمة الرئيسية للحفار لابطال مفعوله .. وبدأت لعبة القط والفأر بين نسيم ورجال الموساد .. وهناك .. فى أبيدجان الميناء الشهير لدولة ساحل العاج .. كان الحفار قد ألقي مراسيه بأمان للراحة .. وعلى الفور وبناء على الاستنتاجات المسبقة بعقله الفذ الذى أدرك أن أبيدجان هى الميناء المثالى الذى سيرسو عنده الحفار .. قام بحمل المتفجرات بنفسه ودار بها عبر أوربا وساحل افريقيا الشمالى وحط رحاله فى أبيدجان ولا أحد يعرف كيف تمكن من عبور مطارات خمس أو ست دول وهو يحمل هذه المتفجرات ..
وكان فريق العمل أبطال البحرية قد سلك طريقا مماثلا عبر عدة عواصم أوربية حتى أبيدجان .. وفى فجر يوم العملية وصل الفوج الأول من الضفادع البشرية .. وبينما الكل فى انتظار الفوج الثانى علم محمد نسيم من مصادره فى أبيدجان أن الحفار فى طريقه لمغادرة ساحل العاج صباح اليوم التالى .. ليطير عقل محمد نسيم .. ويتخذ قراره بتنفيذ العملية بنصف الفريق فحسب .. وكان الحل السريع أن يكتفي نسيم بزرع المتفجرات تحت البريمة الرئيسية وأحد الأعمدة فحسب بديلا عن الخطة الرئيسية بتفجير البريمة والأعمدة الثلاثة
وفى الفجر .. تسلل الأبطال تحت اشراف نسيم الى موقع الحفار وخلال ساعة واحدة كانت المتفجرات فى أماكنها .. ومضبوطة التوقيت على السابعة صباحا .. وخلال هذه الفترة أشرف نسيم بسرعة فائقة على سفر مجموعة العمل خارج ساحل العاج واستقبال المجموعة التى كان مقررا وصولها فى الصباح لتحط فى أبيدجان بطريقة الترانزيت وتكمل رحلتها خارج أبيدجان ..
وبقي نسيم وحده ينتظر نتيجة العملية .. ومن شرفة فندقه المطل على البحر أخذ يعد الدقائق والثوانى التى تمضي ببطء قاتل .. حتى التقا عقربا الساعة عند السابعة صباحا ليتعالى دوى الانفجارات من قلب البحر .. ويصبح الحفار أثرا بعد عين فى الانفجار الذى هز أبيدجان .. لكنه كان كالموسيقي الكلاسيكية فى أذنى نسيم ... والذى تأمل الحفار المحطم .. لترتسم ابتسامة نصر مشرقة ومألوفة على الوجه الأسمر الصارم ..
وبعدها توجه نسيم الى أحدى مكاتب البريد ليرسل تلغرافا الى جمال عبد الناصر يقول له كلمتين فحسب " مبروك الحج "

هذا هو محمد نسيم أو نديم هاشم كما عرفه المشاهدون العرب فى المسلسل التليفزيونى الشهير " رأفت الهجان " والذى كتب قصته الأديب الراحل صالح مرسي وأخرجه المخرج يحيي العلمى .. لتنفجر الحماسة فى الشعوب العربية من المحيط الى الخليج اعجابا بهؤلاء الأبطال الذين قدموا لأوطانهم أسمى معانى الفداء ولم ينتظروا حتى مجرد كلمة شكر ..
أسود المخابرات العامة المصرية الأفذاذ .. العاملون فى صمت .. النائمون فى قلب الخطر .. رواد العظمة ..
ونجمهم رجل المستحيل محمد نسيم الذى اتخذ دوره الى جوار زملائه فى حرب أكتوبر ليتمكن جهاز المخابرات العامة من احاطة ترتيبات الحرب بالسرية الكاملة حتى ساعة الصفر القاتلة للعدو .. لتخرج المراجع العالمية معترفة بانتصار المخابرات العامة المصرية على جهاز المخابرات الأمريكى والسوفياتى والاسرائيلي والبريطانى ..

عندما يترجل الفارس
ومع بداية الثمانينيات .. وبعد عشرات العمليات الناجحة وشهرة واسعة .. نالها الفهد الأسمر المصري اللواء محمد نسيم .. اعتزل البطل العمل السري ليخرج من جهاز المخابرات الى وظيفة مدنية كوكيل لوزارة السياحة المصرية .. وفى عام 1998م .. أسلم الفارس البطل .. روحه وجاد بأنفاسه الأخيرة بعد رحلة مثمرة فى محراب البطولة تتوارى الى جوارها صفحات التاريخ خجلا .. وتقدم جنازة البطل كبار رجال الدولة .. والعامة فى ميدان التحريرالذى يقع فيه مسجد عمر مكرم الذى خرج منه جثمان البطل .. وتساءل العامة فى فضول .. وهم يلقون نظرة على اللافته التى يحملها الجنود فى مقدمة الجنازة وتحمل اسم البطل .. ترى من يكون محمد نسيم ؟؟

هارى بوتر1988

الجاسوس ابراهيم شاهين



نشرت هذه العملية من جانب المخابرات الإسرائيلية (الموساد) كمحاولة للرد على نشر القاهرة لعملية رفعت الجمال، فقد واجهت المخابرات الإسرائيلية حملات صحفية عنيفة داخل إسرائيل وخارجها تقلل من شأنها.


بدأ نشر العملية عندما نشرت الصحف الإسرائيلية موضوعا موسعا في 26 نوفمبر 1989 تقول فيه أن المخابرات الإسرائيلية تلقت قبل حواليي شهر من حرب أكتوبر من أحد جواسيسها في مصر تحذيرات واضحة بأن مصر تنوى شن حرب ضد إسرائيل.وأن هذا الجاسوس بعث بمعلومات في غاية الدقة عن تحركات الجيش المصري في منطقة قناة السويس إضافة إلى تأكيده بأن المصريين قاموا بتحريك الجسور الخشبية العائمة الحاملة للجنود إلى ضفة القناة.



وأكد الموضوع أن هذا الجاسوس مواطن مصري مسلم عمل جاسوسا في مصر لصالح إسرائيل طوال سبع سنوات .. وأن اسمه هو إبراهيم شاهين.


وتبدأ القصة بنجاح المخابرات الإسرائيلية في تجنيد إبراهيم شاهين إبن مدينة العريش والذي كان يعمل موظفا بمديرية العمل بسيناء بعد أن لاحظت حاجته للمال. وعرض علية ضابط المخابرات الإسرائيلي "نعيم ليشع" إعطاءه تصريح للسفر إلى القاهرة ،وكانت كل مهمته كما كلفه "نعيم" هي السفر إلى القاهرة وإرسال أسعار الخضراوات والفواكه في القاهرة إلى شقيقة الذي كان يمتلك مكتب للتصدير والاستيراد في لندن ، واصطحبه "نعيم" إلى رئيسه المقدم "أبو يعقوب" المختص بتدريب الجواسيس المستجدين.


واتقن إبراهيم التدريب واصبح يستطيع التمييز بين أنواع الأسلحة والطائرات والكتابة بالحبر السري ، كما نجح إبراهيم في أن يجند زوجته انشراح للعمل معه وحمل معه إلى القاهرة العناوين التي سيرسل إليها رسائله من القاهرة وكانت كلها عناوين في مدن اوربية.


وبعد وصوله إلى القاهرة تقدم إبراهيم إلى إدارة المهجرين المصريين وحصل على منزل في منطقة المطرية ومعاش شهري تدفعه الحكومة للمهجرين من مدن المواجهة.


وواصل ابراهيم وزوجتة إرسال المعلومات المطلوبة ، إلى أن طلب منهما السفر إلى روما وهناك تم منحهما جوازي سفر باسم موسى عمر وزوجته دينا عمر، وسافرا من روما على طائرة شركة العال الإسرائيلية إلى اللد ومنها إلى بئر سبع وكان المغزى من هذه الرحلة هو عرض ابراهيم على جهاز كشف الكذب تحسبا وخوفا من أن يكون مدسوسا من المخابرات المصرية، واثبت الجهاز مصداقيته وتم تكليفه بموجب ذلك بمتابعة وتقصى وقياس الحالة المعنوية للشعب المصري إضافة إلى النواحي العسكرية، وبعد أن عادا من روما قاموا بتجنيد جميع أولادهم للعمل معهم.



وحقق ابراهيم وزوجته نجاحا كبيرا خاصة في النواحي المعنوية بسبب احتكاكهم بالمناطق الشعبية، وعاود الاثنين السفر إلى بئر سبع مرة أخرى لتلقى دورة تدريبية متقدمة في أعمال التصوير وحصلوا على كاميرات صغيرة تعمل تلقائيا في التقاط الصور ، كما تم زيادة أجرهم الشهري إلى ما يعادل 300 دولار، ومنح ابراهيم رتبه مقدم في جيش الدفاع الإسرائيلي وزوجتة رتبة ملازم أول، وعادا إلى مصر على أن يتلقوا التعليمات بشفرة خاصة من خلال الراديو.


وبرغم هذا النجاح إلا انهما فشلا في توقع نشوب حرب السادس من أكتوبر والتي كانت المخابرات الإسرائيلية قد وعدتهم بمبلغ مليون دولار كمكافأة في حالة توقعهما لميعاد الحرب وكان كل المطلوب منهما في هذه الحالة هو رسالة شفرية من كلمتين "يوم ......".


وتصادف أن سافرت انشراح وحدها إلى روما يوم 5 أكتوبر وقابلها "أبو يعقوب" يوم 7 أكتوبر وأمطرها بسيل من الأسئلة عن الحرب وأتضح أنها لا تعرف شيئا.


واخبرها أبو يعقوب إن الجيش المصري والسوري هجما على إسرائيل وان المصريون عبروا القناة وحطموا خط بارليف ، وأمرها بالعودة فورا إلى مصر .



وفى بداية عام 1974 سافر ابراهيم إلى تركيا ومنها إلى اليونان ثم إلى تل أبيب وحضر اجتماعا خاصا على مستوى عال مع قيادات المخابرات الإسرائيلية الجديدة بعد أن أطاحت حرب أكتوبر بالقيادات السابقة.


وخضع ابراهيم للاستجواب حول عدم تمكنه من معرفة ميعاد الحرب وأجاب ابراهيم انه لم يلحظ شيئا غير عادي بل أن قريبا له بالجيش المصري كان يستعد للسفر للحج ، وانه حتى لو كان يعلم بالميعاد فليس لدية أجهزة حديثة لإرسال مثل تلك المعلومات الهامة.


واستضاف نائب مدير المخابرات الإسرائيلية ابراهيم وابلغه بأنه سيتم منحه جهاز إرسال متطور ثمنه 200 ألف دولار وهو احدث جهاز إرسال في العالم ملحق به كمبيوتر صغير في حجم اليد له أزرار إرسال على موجه محددة واخبره كذلك أن راتبه الشهري قد تم رفعة إلى ألف دولار إضافة إلى مكافأة مليون دولار في حالة أخبارهم عن موعد الحرب القادمة آلتي ستشنها مصر بواسطة الفريق سعد الشاذلي!.


وقامت المخابرات الإسرائيلية بتوصيل الجهاز المتطور بنفسها إلى مصر خشية تعرض ابراهيم للتفتيش، وقامت زوجته بالحصول على الجهاز من المكان المتفق علية عند الكيلو 108 طريق السويس وهى المنطقة التي تعرضت لثغرة الدفرسوار.


وبمجرد وصول انشراح للقاهرة اعدوا رسالة تجريبية ولكنهم اكتشفوا عطلا في مفتاح الجهاز وبعد فشل ابراهيم في إصلاحه توجهت انشراح إلى تل أبيب للحصول على مفتاح جديد.


لم يدر بخلد انشراح أن المخابرات المصرية التقطت رسالة لها عبر جهاز روسي حديث يسمى "صائد الموجات" وذلك أثناء تدريبها وتجربتها للجهاز الجديد.


وأيقن رجال المخابرات المصرية انهم بصدد الإمساك بصيد جديد ، وتم وضع منزل ابراهيم تحت المراقبة وتم اعتقاله صباح 5 أغسطس 1974 مع ولديه وانتظارا لوصول انشراح من تل أبيب أقام رجال المخابرات المصرية بمنزل ابراهيم لثلاثة أسابيع كاملة ، وبمجرد وصولها استقبلها رجال المخابرات المصرية وزج بهم جميعا إلى السجن.


وكانت المخابرات الإسرائيلية قد بثت رسائل بعد عودة انشراح من إسرائيل واستقبلها رجال المخابرات المصرية على الجهاز الإسرائيلي بعد أن ركبوا المفاتيح ، ووصل الرد من مصر.


" أن المقدم ابراهيم شاهين والملازم أول انشراح سقطا بين أيدينا .. ونشكركم على ارسال المفاتيح الخاصة بالجهاز .. كنا فى انتظار وصولها منذ تسلم ابراهيم جهازكم المتطور"
تحياتنا إلى السيد "ايلي زئيرا" مدير مخابراتكم.


وتمت محاكمة الخونة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وأصدرت المحكمة حكمها بإعدام إبراهيم وانشراح بينما حكم على ابنهما الأكبر نبيل بالأشغال الشاقة وأودع الولدان محمد وعادل باصلاحية الأحداث نظرا لصغر سنهما، ونفذ حكم الإعدام في إبراهيم شاهين شنقا، بينما تم الإفراج عن انشراح وابنها بعد ثلاث سنوات من السجن في عملية تبادل للأسرى مع بعض أبطال حرب أكتوبر.


وقد نشرت صحيفة يدعوت احرونوت عام 1989موضوعا عن انشراح وأولادها قالت فيه : أن انشراح شاهين (دينا بن دافييد) تقيم الآن مع اثنين من أبنائها بوسط إسرائيل وهما محمد وعادل بعد أن اتخذت لهما أسماء عبرية هي حاييم ورافي أما الابن الأكبر نبيل فقد غير اسمه إلى يوشي.
وتقول الصحيفة أن دينا بن دافيد تعمل عاملة في دورة مياه للسيدات في مدينة حيفا وفى أوقات الفراغ تحلم بالعودة للعمل كجاسوسة لإسرائيل في مصر !، بينما يعمل ابنها حاييم كحارس ليلي بأحد المصانع ، أما الابن الأكبر فلم يحتمل الحياة في إسرائيل وهاجر هو وزوجتة اليهودية إلى كندا حيث يعمل هو وزوجته بمحل لغسل وتنظيف الملابس.

هارى بوتر1988
بالنسبة للصهاينة في داخل فلسطين المحتلة وخارجها، يعد ماكس بينيت واحدا من الأبطال، حيث يحظى أسمه بالتمجيد والتبجيل إذ يظنون أنه فضل الانتحار على ان يدلي بمعلومات للمصريين قد تضر بأمن "بلاده"، غير أن الحقيقة التي تم الكشف عنها مؤخرا ان خبر انتحار رجل المخابرات الإسرائيلي لم يكن إلا خطة مصرية مدهشة، وان الرجل ظل في قبضة المصريين سنوات أدلى خلالها بكل ما يعرفه قبل أن يموت بشكل طبيعي تماما!

ولد مائير جوزيف بينيت في المانيا الغربية لأب يهودي وأم مسيحية، وفي عام 1935 وبينما كان مائير في الثامنة عشر من عمره ، فر وعائلته من النازيين إلى الأراضي الفلسطينية حيث عمل بعدة مهن فيما انضم في الوقت ذاته لمنظمة "الهجانة" الصهيونية في كفار هساديم.

وعلى الرغم من عمله كمهندس كهرباء ودراسته لموجات الراديو إلا أن الحماس سرعان ما جرفه فتحول إلى طيار مقاتل بعد حرب عام 1948 وحتى حصل على رتبة رائد، ثم لم يلبث أن انضم للمخابرات الإسرائيلية في العام التالي حيث ظهرت مواهبه التي جعلته واحدا من ابرع رجال المخابرات الإسرائيلية ليس في عصره فحسب ولكن إلى الان.

وبسبب تفوقه اذ كان يتقن 6 لغات، وملامحه التي تجمع بين الشرق والغرب تم ارساله عام 1951 الى المانيا ومنها الى العراق في مهمة سرية.

وفي عام 1952 ارسل الى القاهرة تحت غطاء كونه رجل اعمال الماني للإشراف على (الوحدة 136) وهي شبكة تخريبية مكونة من فريقين من اليهود المصريين في القاهرة والاسكندرية كانت مهمتها وضع عبوات متفجرة في عدد من المؤسسات الأمريكية فضلا عن منشأت القاعدة البريطانية العسكرية في قناة السويس بغرض تدمير العلاقات الأمريكية والبريطانية مع الثورة الناشئة في مصر.

ويبدو ان بينيت كان محترفا بحق إذ لعب دور رجل الأعمال ببراعة تامة جعلته يصل لمقابلة اللواء محمد نجيب الذي أصبح رئيسا للبلاد فيما بعد!، في الوقت ذاته بدأت الوحدة بالفعل في تنفيذ بعض العمليات التخريبية بقنابل بدائية الصنع في القاهرة والإسكندرية إلا أنها سرعان ما سقطت بفعل الصدفة التي جعلت إحدى القنابل الحارقة تنفجر في جيب أحد افرادها قبل دخوله إلى دار عرض (ريو) في الاسكندرية مما جعل جنود الشرطة يهرعون اليه لانقاذه لكنه ظن أن أمره قد انكشف فاعترف بكل شئ!

حدثت هذه الواقعة في عام 1954 بما يعني ان جهاز المخابرات المصري كان في طور الإنشاء اذ انه قد تكون رسميا في يونيو 1955!، لكن برغم ذلك فقد تمكن هذا الجهاز الوليد من التصرف بسرعة وحنكة بالغين ففي خلال ساعتين فقط من سقوط عضو الشبكة بالإسكندرية كان 60 من رجال المخابرات يهاجمون كل اعضاء الشبكة في وقت واحد تقريبا في القاهرة والاسكندرية.

وخلال التحقيقات اعترفت عضوة الشبكة (فيكتورين نينيو) بكل شئ وأكدت أن ماكس بينيت هو الرئيس الفعلي المراقب للشبكة فضلا عن أنه واحد من كبار الضباط في المخابرات العسكرية الإسرائيلية.

ومع هذه المعلومة البالغة الخطورة تحرك الرجال للعمل بكل سرعة ودقة لضبط رجل المخابرات الإسرائيلي الذي سقط – لدهشته البالغة – خلال ساعة واحدة فقط!!

وتقول الرواية الإسرائيلية أن بينيت قضى خمسة أشهر في السجن قبل أن يحسم أمره بالانتحار قبل محاكمته بيوم واحد مفضلا الموت على ان يعطي المصريين أي معلومات أو أن يمنحهم متعة شنقه في ميدان عام.

غير أن الحقيقة أن بينيت كان يعرف بكل تأكيد أن سقوط رجل مخابرات معادي في أيدي أي جهاز مخابرات آخر ليس حدثا عاديا ابدا، فأي عميل لدولة أجنبية لن يملك من المعلومات سوى ما يُنقل اليه فقط ، بينما يمثل رجل المخابرات أهمية مضاعفة آلاف المرات لأنه يملك معلومات عن تنظيم جهاز المخابرات الذي ينتمي اليه وشبكاته واسماء عملائه في الخارج .. الخ

وفي الوقت ذاته كان بينيت يعرف على ما يبدو انه لن يستطيع الانكار وان الخناق سيضيق عليه مهما حاول وانه سيدلي بالمعلومات التي يعرفها اليوم او غدا، لهذا كله فضل ان يبقي الأمر في طور السهولة دون ان يلعب دور البطل!

لكن المشكلة المؤرقة كانت تتمثل في ان كل المعلومات التي سيدلي بها بينيت ستغدو عديمة القيمة اذا علمت المخابرات الإسرائيلية انه ادلى بها وستلجأ لتغيير كل النظم والأساليب وحتى المناصب التي يعرفها رجلها في القاهرة، هنا كان لابد لرجال المخابرات المصرية من ايجاد حل وبمنتهى السرعة..




وكانت الخطة بسيطة وواضحة باعلان انتحار الرجل في محبسه عشية محاكمته ونشر هذا الخبر بشكل طبيعي في صحف القاهرة حتى تتلقفه وكالات الأنباء ليطير من فوره الى تل ابيب.

وبالفعل، وفي 22 ديسمبر 1954 نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية خبرا مصحوبا بصورة العثور على بينيت (37 عاما) المتهم بالتجسس ميتا في زنزانته بالقاهرة، ونقل الخبر عن وزارة الداخلية المصرية اعلانها ان بينيت انتحر بأن قطع شرايين يده مستخدما موسى حلاقة، وقالت الصحيفة ان حارس الزنزانه سمع بينيت بصعوبة وهو يطلب ماءا ليشرب وانه لدى حضور الطبيب كان بينيت قد فارق الحياة بالفعل.

وتابعت الصحيفة انه بجوار جثة بينيت تم العثور على خطاب مكتوب بالإنجليزية بالقلم الرصاص من بينيت إلى زوجته، التي كانت وقتذاك في لندن، يقول فيه انه لم يعد لديه امل في شئ وانه وصل الى قرار الانتحار بعد تفكير هادئ، واوصى بينيت زوجته بأن تتزوج من بعده لأن ابنته تحتاج لأب وأن تزرع شجرة لذكراه في حديقة منزلهما!

ومع هذه الحبكة البارعة، لم يشك أحد داخل إسرائيل أو خارجها أن بينيت مايزال حيا يرزق في القاهرة وأن الصورة التي نُشرت له لم تكن لجثته ولكنها كانت له وهو تحت تأثير مخدر قوي!

وخلال السنوات التالية عاش بينيت في سرية تامة وتحت رقابة صارمة من المخابرات المصرية في فيلا صغيرة من طابقين بمصر الجديدة تحت اسم انجليزي هو (ريتشارد كليفورد) حيث كان يدلي بكل نشاط بمعلومات بالغة الأهمية عن الهيكل التنظيمي لجهاز المخابرات الإسرائيلي ووحداته واداراته ونوعيتها واساليب العمل المتبعة فيها وطرق الحصول على المعلومات والأسرار ، اضافة الى كمية هائلة من الرسوم اليدوية للمنشأت المموهة وأسراب الطائرات الإسرائيلية والبيانات البالغة السرية حول تنظيم إدارات المخابرات الإسرائيلية ونظم العمل ونقل الأوامر في أفرعها وأقسامها ومراتب وشخصيات رؤسائها بل ووسائل تدريب العاملين الجدد وعناوين المراسلات السرية في اوروبا وامريكا الجنوبية واسيا، فضلا عن قائمة بأسماء العملاء والضباط وصفاتهم بل وأدلى بالكثير من المعلومات عن سلاح الجو الإسرائيلي!!

وفي أحد أيام صيف عام 1962 فارق بينيت الحياة حقيقة هذه المرة اثر نوبة قلبية هاجمته خلال نومه، بعد ان قدم خدمات تفوق الوصف للمخابرات المصرية.

واذا كانت الرواية الإسرائيلية تقول ان جثمان بينيت قد اعيد لاسرائيل حيث دُفن في كلية هرتزل العسكرية، لكن من غير المعروف اذا كان هذا هو جثمانه حقيقة لأن الجنازة المهيبة التي اقيمت له وحضرها كبار رجالات إسرائيل وقتها ومن بينهم موشى ديان نفسه، كانت قبل وفاته الحقيقية بثلاث أعوام!!
هارى بوتر1988

ايلي كوهين



الياهو بن شاؤول كوهين يهودي من أصل سوري حلبي، ‏ولد بالإسكندرية التي هاجر إليها احد أجداده سنة 1924. وفي عام 1944 انضم ايلي كوهين إلى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في الإسكندرية وبدا متحمسا للسياسة الصهيونية وسياستها العدوانية على البلاد العربية،‏ وفي سنة‏ وبعد حرب 1948 اخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين وبالفعل في عام 1949‏ هاجر أبواه وثلاثة من أشقاءه إلي إسرائيل بينما تخلف هو في الإسكندرية ‏.‏
وقبل أن يهاجر إلى إسرائيل عمل تحت قيادة إبراهام دار وهو أحد كبار الجواسيس الإسرائيليين الذي وصل إلى مصر ليباشر دوره في التجسس ومساعدة اليهود علي الهجرة وتجنيد العملاء‏،‏ واتخذ الجاسوس اسم جون دارلينج‏ وشكل شبكة للمخابرات الإسرائيلية بمصر نفذت سلسلة من التفجيرات ببعض المنشات الأمريكية في القاهرة والإسكندرية‏ بهدف إفساد العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية و في عام 1954 تم إلقاء القبض على أفراد الشبكة في فضيحة كبرى عرفت حينها بفضيحة لافون، وبعد انتهاء عمليات التحقيق‏ كان أيلي كوهين قد تمكن من إقناع المحققين ببراءة صفحته إلي أن خرج من مصر‏ عام 1955‏ حيث التحق هناك بالوحدة رقم ‏131‏ بجهاز أمان لمخابرات جيش الدفاع الإسرائيلي‏ ثم أعيد إلي مصر‏ ولكنه كان تحت عيون المخابرات المصرية‏ التي لم تنس ماضيه فاعتقلته مع بدء العدوان الثلاثي ضد مصر في أكتوبر ‏1956.‏
وبعد الإفراج عنه هاجر إلي إسرائيل عام 1957‏,‏ حيث استقر به المقام محاسبا في بعض الشركات‏,‏ وانقطعت صلته مع "أمان" لفترة من الوقت‏,‏ ولكنها استؤنفت عندما طرد من عمله‏ وعمل لفترة كمترجم في وزارة الدفاع الإسرائيلية ولما ضاق به الحال استقال وتزوج من يهودية من أصل مغربي عام 1959.


وقد رأت المخابرات الإسرائيلية في ايلي كوهين مشروع جاسوس جيد فتم إعداده في البداية لكي يعمل في مصر‏,‏ ولكن الخطة ما لبثت أن عدلت‏,‏ ورأي أن أنسب مجال لنشاطه التجسسي هو دمشق‏.‏
وبدأ الإعداد الدقيق لكي يقوم بدوره الجديد‏,‏ ولم تكن هناك صعوبة في تدريبه علي التكلم باللهجة السورية‏,‏ لأنه كان يجيد العربية بحكم نشأته في الإسكندرية‏.‏


ورتبت له المخابرات الإسرائيلية قصة ملفقه يبدو بها مسلما يحمل اسم كامل أمين ثابت هاجر وعائلته إلى الإسكندرية ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946 حيث لحق به كامل وعائلته عام 1947 وفي عام 1952 توفى والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية كما توفيت والدته بعد ستة أشهر وبقى كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة.


وتم تدريبه على كيفية استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السري كما راح يدرس في الوقت نفسه كل أخبار سوريا ويحفظ أسماء رجالها السياسيين والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة. مع تعليمه أصول الآيات القرآنية وتعاليم الدين الإسلامي.


وفي‏ 3‏ فبراير ‏1961‏ غادر ايلي كوهين إسرائيل إلي زيوريخ‏,‏ ومنها حجز تذكرة سفر إلي العاصمة التشيلية سنتياجو باسم كامل أمين ثابت‏,‏ ولكنه تخلف في بيونس ايرس حيث كانت هناك تسهيلات معدة سلفا لكي يدخل الأرجنتين بدون تدقيق في شخصيته الجديدة‏.‏


وفي الأرجنتين استقبله عميل إسرائيلي يحمل اسم ابراهام حيث نصحه بتعلم اللغة الاسبانية حتى لا يفتضح أمره وبالفعل تعلم كوهين اللغة الاسبانية وكان ابراهام يمده بالمال ويطلعه على كل ما يجب أن يعرفه لكي ينجح في مهمته.


وبمساعدة بعض العملاء تم تعيين كوهين في شركة للنقل وظل كوهين لمدة تقترب من العام يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية كرجل أعمال سوري ناجح‏ فكون لنفسه هوية لا يرقى إليها الشك,‏ واكتسب وضعا متميزا لدي الجالية العربية في الأرجنتين‏,‏ باعتباره قوميا سوريا شديد الحماس لوطنه وأصبح شخصية مرموقة في كل ندوات العرب واحتفالاتهم‏،‏ وسهل له ذلك إقامة صداقات وطيدة مع الدبلوماسيين السوريين وبالذات مع الملحق العسكري بالسفارة السورية‏,‏ العقيد أمين الحافظ.


وخلال المآدب الفاخرة التي اعتاد كوهين أو كامل أمين ثابت إقامتها في كل مناسبة وغير مناسبة‏,‏ ليكون الدبلوماسيون السوريون علي رأس الضيوف‏,‏ لم يكن يخفي حنينه إلي الوطن الحبيب‏,‏ ورغبته في زيارة دمشق‏ لذلك لم يكن غريبا أن يرحل إليها بعد أن وصلته الإشارة من المخابرات الإسرائيلية ووصل إليها بالفعل في يناير ‏1962 حاملا معه ألآت دقيقة للتجسس,‏ ومزودا بعدد غير قليل من التوصيات الرسمية وغير الرسمية لأكبر عدد من الشخصيات المهمة في سوريا‏,‏ مع الإشادة بنوع خاص إلي الروح الوطنية العالية التي يتميز بها‏,‏ والتي تستحق أن يكون محل ترحيب واهتمام من المسئولين في سوريا‏.‏


وبالطبع‏,‏ لم يفت كوهين أن يمر علي تل أبيب قبل وصوله إلي دمشق‏,‏ ولكن ذلك تطلب منه القيام بدورة واسعة بين عواصم أوروبا قبل أن ينزل في مطار دمشق وسط هالة من الترحيب والاحتفال‏.‏ و أعلن الجاسوس انه قرر تصفية كل أعماله العالقة في الأرجنتين ليظل في دمشق مدعيا الحب لوطن لم ينتمي إليه يوما.
هارى بوتر1988
القصة الكاملة للجاسوس عدنان ياسين

الباحث في الشئون الأمنية والاستراتيجية
كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مكتبه في شارع يوغرطة في أحد أحياء العاصمة التونسية حين اتصل به الرئيس زين العابدين بن على صباح يوم الاثنين 25 أكتوبر 1993 طالبا منه رفع الحصانة الدبلوماسية عن"عدنان ياسين" الذي يحمل صفة رئيس شعبه في سفارة دولة فلسطين في تونس بسبب ضلوعه في قضية تجسس خطيرة . وعندما استفسر عرفات من بن على عن الموضوع وافق على الفور وأبدى كل استعداد للتعاون. فقال بن على أن وحدات خاصة من الشرطة ستتوجه علي الفور إلى مقر السفارة فلسطين في شارع باستور . وفي منتصف الطريق تقدمت باتجاه السفارة أربع سيارات مدنية ترجل منها رجال أمن بلباس مدني طوق بعضهم مبني السفارة و دخل البعض الأخر حيث كان عدنان يجلس في أحد مكاتبها في الطابق الأرضي ولم يكن أحد في المكتب يعرف أسباب اعتقال المسؤول الفلسطيني ومع رويات كثيرة ترددت عن أن سبب اعتقاله هو تجارته بالعملة المزورة و مصادرة مخدرات من منزله إلا أن عمليات تفتيش دقيقة للسفارة,ولمنازل عدد من القادة الفلسطينيين ومنزل "عدنان ياسين"نفسه ,سرعان ما أخذت أبعادا كبيرة.ولعب نبأ اكتشاف جهازي إرسال ,الأول مثبت في كرسي والأخر في جهاز إضاءة , دوراً في إحداث الصدمة الكبيرة ,لا سيما أن عدنان ياسين ,وحسب قول أحد زملائه في العمل ,كان مسئولا عن أشياء كثيرة ومتشابكة بحكم وجوده في مكتب المنظمة في تونس على مدى 23عاماً وقد تجمعت بين يديه أشياء ومهام متراكمة من إصدار شهادات الميلاد وحتى شهادة الوفاة و الإشراف على تكفين الموتى ودفنهم إلى علاقته بوزارة الداخلية والجمارك ,وما ينتج عن ذلك من معرفته بدخول وخروج كل ضيف على القيادة الفلسطينية سواء كان ذلك في السر أم في العلن....
وفيما كانت عمليات تفتيش المكاتب والمقرات مستمرة ,كان الرئيس عرفات يدقق في تقارير أولية وصلته عن نشاط عدنان ياسين من أجهزة الأمن التونسية وكان من بين الأشياء التي تسلمها تسجيلات لمكالمة هاتفية .كان عدنان يجريها مع "حليم الصاوى "ضابط الاتصال المصري الأصل الذي كان حلقة اتصال بين عدنان و المقر الرئيسي لجهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" في إسرائيل ,وكان حليم قدم نفسه لعدنان حسب اعترافاته للجنة التحقيق التي شكلت من حكم بلعاوي"وزير الداخلية الفلسطيني حالياً",وعبد الله الإفرنجي سفير فلسطين في ألمانيا ,واللواء أمين الهندي رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية الحالي,والساعد الأيمن للشهيد أبو إياد, ,ومجيد الآغا محافظ رفح حالياُ. بأنه رجل أعمال وعرض عليه المساعدة أثناء وجوده في باريس لمتابعة علاج زوجته المصابة بمرض السرطان وسنحت ظروف تواجد الاثنين في فندق ميرديان الباريسي لتبادل الأحاديث في قضايا عامة عرف من خلالها حليم الصاوى أن عدنان في مكتب المنظمة.و في إحدى السهرات طلب عدنان من حليم مساعدته لإيجاد وظيفة لابنه الذي يتابع دروسه في ألمانيا.
****عملية قبرص
ومع تردد عدنان حسب ما يقول في اعترافاته ,نجح حليم في تجنيده للتجسس لمصلحة خلف شمال الأطلسي وليس الموساد, وكانت المعلومات التي طلبت منه في بداية الأمر معلومات عامة انطباعات أكثر من كونها تقارير . وقال عدنان أن تجنيده تم في عام 1990.
وتؤكد المخابرات الفلسطينية أن عدنان ياسين لعب دوراً بارزاً في إعطاء معلومات لجهاز الموساد لاغتيال ثلاثة قادة بارزين في قبرص وهم (أبو حسن محمد بحيصي ، حمدي سلطان ، مروان كيالي ) بعد أن غادروا تونس متوجهين إلى قبرص للإشراف على تنظيم عدد من الخلايا العاملة داخل الأراضي المحتلة ، وقد أعتبر اغتيالهم في حينها بأنه من أبرز الضربات الموجعة التي تلقاها جهاز القطاع الغربي داخل حركة فتح ، ولم يستبعد مسئول في اللجنة المركزية لحركة فتح أن يكون نشاط ياسين لمصلحة الموساد امتدت سنوات طويلة .
وأن عدنان ياسين لم يكن ليصل إلى هذا المستوى من التعامل مع الموساد على استعمال أجهزة متطورة وحبر سري ورسائل بالشفرة لو لم يكن مر قبلها في مراحل عدة .
ولهذا فان ربط اسمه بقضايا أخرى مثل اغتيال" عاطف بسيسو " رجل الامن الأول والابن المدلل للرئيس عرفات ، والذي وصفه الرئيس ياسر عرفات برجل الامن القومي ، والكشف عن زيادة جورج حبش لفرنسا واغتيال (أبو جهاد خليل الوزير ) ليس مستبعدا ، لانه كان من القلائل جداً الذين يطلعون على تحركات المسئولين الفلسطينيين بحكم إشرافه ومعرفته بأسماء المسافرين ورحلاتهم .
ويتذكر مسئول في اللجنة المركزية لحركة فتح أحد الاجتماعات التي عقدتها اللجنة ويقول : أن عرفات قال للمجتمعين أن دنيس روس الموفد الأمريكي الخاص بمفاوضات السلام طلب منه عقد الاجتماع في مقر السفارة الامريكية أثناء زيارته الأخيرة لتونس بسبب وجود أجهزة تصنت ، إلا أن أعضاء اللجنة المركزية وخصوصا الرئيس عرفات رفضوا عقد الاجتماع في السفارة نظرا إلى ما يتضمنه ذلك من معان ، واستنتج المسئولون الفلسطينيون إن الأمريكيين على علم بعمليات التجسس التي تقوم بها المخابرات الإسرائيلية منذ زمن ، ولكن منذ أن وقعت المنظمة الاتفاق مع إسرائيل . رأى المسئولون الأمريكيون أنه يجب وضع حد لهذا النشاط.
وكشف عبد الله الإفرنجي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وعضو لجنة التحقيق وسفير دولة فلسطين في ألمانيا ، بعض الاعترافات التي أدلى بها ياسين في الأيام الأولى من اعتقاله ، حيث قال : إن اعترافات ياسين الأولية ثغرات كبيرة فهو حاول أن يقلص الفترة التي عمل فيها لمصلحة الموساد ، إذا قال أنها تعود إلى ثلاث سنوات فقط ، وهي تاريخ انتقلت زوجته للعلاج في باريس وتعرفته على حليم الصاوي . وواضح أن حجم المعلمات التي أدلى بها ياسين حتى هذه الفترة ليس قليلاً فهناك جواسيس لم يتم اكتشافهم في ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وحتى في دول عربية على رغم أننا نعترف بأنهم نجحوا في تجنيد عناصر جديدة .

** معلومات سياسية
واوضح الإفرنجي أن تزويد ياسين بأجهزة إرسال وتسجيل لوضعها في مكتب السيد محمود عباس الذي يشرف على ملف المفاوضات مع إسرائيل . يعني أن ياسين بعيد بشكل أو بآخر عن مصادر المعلومات . ولهذا لا نريد أن نقلل من أهمية عملية الكشف أو نبالغ في حجم الدور الذي قام به . لكن الأكيد أن حرص إسرائيل على الحصول على تفاصيل موقف المنظمة من المفاوضات من خلال استماعها إلى ما يجري من حوارات في مكتب أبو مازن آنذاك . يعني أن إسرائيل لا تنوي تنفيذ عمليات اغتيال بقدر ما هي حريصة على معرفة تفاصيل الموقف والتوجهات الفلسطينية في عملية السلام . وذكر الإفرنجي أن ياسين سلم الكرسي وجهاز الإضاءة في مكتب أبو مازن في 3 أكتوبر سنة 1193وان اكتشاف عملية التجسس لم يستغرق أكثر من ستة أسابيع بفضل الحذر التونسي والفلسطيني وعمليات الكشف الدوري على مقرات ومكاتب منظمة التحرير وأجهزتها المختلفة . ونفي الإفرنجي أن تكون المخابرات الألمانية أو الفرنسية زودت الحكومة التونسية أو جهاز الأمن الفلسطيني بأية معلومات عن نشاط ياسين.
** محطة الاستقبال ومطاردة عدنان ياسين للقائد الأمني عاطف بسيسو في باريس :
وعن حجم جهاز التصنت والإرسال الذي عثر عليه في كرسي أبو مازن قال : الإفرنجي أن بطارية الجهاز من النوع المتطور وهي صالحة لمدة 5سنوات وثبت باتجاه محطة استقبال مزروعة في الأراضي التونسية . الأمر الذي يثبت وجود أشخاص آخرين قد يكون ياسين على معرفة بهم . كما أن جهاز الإضاءة الذي كان موضوعا على مكتب أبو مازن يحتوي على جهاز تسجيل تتم تعبئة بطاريته بشكل أتوماتيكي بحكم توصيل السلك الكهربائي في المكتب . وقال عضو لجنة التحقيق الفلسطينية أن مهمة عدنان الرئيسية كانت وضع الأجهزة في المكان المناسب . ولم يستبعد الإفرنجي إن يكون لياسين صلة باغتيال عاطف بسيسو القيادي البارز في الأمن الفلسطيني والذي اغتاله الموساد في باريس في فندق ميرديان وهو الفندق الذي تعرف فيه ياسين على ضابط الاتصال حليم الصاوي . ومما قاله الإفرنجي أن عدنان التقى بالشهيد عاطف بسيسو في فندق الميرديان في فندق الميرديان قبل عام من اغتياله وانه خلال الفترة التي كان يتواجد فيها الشهيد عاطف في باريس قبل اغتياله بأيام كان على اتصال بعدنان في تونس ليساعده على إدخال سيارة له اشتراها من فرنسا وذلك بحكم اختصاص عدنان وصلاته بالجمارك والسلطات التونسية المعنية.
واعترف الإفرنجي بحجم الإمكانات الهائلة التي يستخدمها جهاز الموساد ، وقال إن أجهزة للتصنت والتجسس تم العثور عليها إلا إنها لم تكن بأهمية الجهاز الجهاز الذي زرع في كرسي أبو مازن ، وقال : أن ياسين اعترف بأن الموساد طلب منه تقديم وثائق مختلفة . لكنه كان يعجز عن ذلك بعد أن تقلصت صلاحياته في العاميين الماضيين لاسباب مسلكية تعود إلى إدمانه الكحول الأمر الذي أكده حكم البلعاوي.
ويؤكد مستشار مقرب من الرئيس ياسر عرفات أنه لم يعثر على أي جهاز تصنت في مكتب عرفات أو في أي من المقرات التي يتردد عليها. وأكد أن الكرسي المجهز وجهاز الإضاءة وأشياء أخرى وصلت إلى تونس في اليوم الذي تم فيه توقيع الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي . ووفقا لاعتراف ياسين فانه لم ينشط سوى في الأشهر الأخيرة وأبرز إنجازاته التجسسية وضع الكرسي وجهاز الإضاءة ونقل ياسين قوله للمحققتين انه لم يستعمل الحبر السري الذي أعطي له على الاطلاق وتقول شخصية فلسطينية مطلعة أن جهاز ياسين الهاتفي وضع تحت المراقبة من قبل جهاز الأمن التونسي قبل أكثر من شهرين من اعتقاله ، ولدى اعتقاله اسمعه رجال الامن صوته وهو يتحدث على الهاتف مع ضابط الاتصال . الأمر الذي دفعه فوراً إلى الاعتراف وطلب معاملته كضابط في الموساد وعدم تسليمه إلى منظمة التحرير.
**30 ألف دولار فقط
ووصل حجم الأموال التي تلقاها ياسين في السنوات الثلاث الماضية قبل اعتقاله إلى حوالي 30 ألف دولار وهو مبلغ زهيد قياسا ً مع نوعية الحياة التي كان يعيشها في تونس وحجم الأموال التي يتلقاها من المنظمة لدفع نفقات علاج زوجته .ويعرض مسئول كبير في جهاز الامن الإسرائيلي تصورا لنشاط ياسين التجسسي فيقول:انه لابد أن يكون قطع مرحلة متقدمة في العمل لمصلحة الموساد واجتاز اختبارات من النوع الذي تلجأ إليه الاستخبارات الإسرائيلية لمعرفة ما إذا كان العميل يعمل لمصلحة جهة أخرى. ولاختبار صدقه في تعامله معها ، كما أن استعمال الحبر الكربوني السري وأجهزة التصنت والتدريب على استعمالها يستوجب المشاركة في دورات خاصة . حتى ولو كانت قصيرة ومتقطعة . وقال انه عثر في منزل ياسين على أقلام للحبر السري وأربعة أقلام تصنت عادية.
** هكذا أصبح الجاسوس عدنان ياسين لاجئا سياسيا في السويد:
انه عدنـان ياسين الملقب بـ أبو هانـي ، مـن مـواليد بـلدة السافرية – فلسطين عام 1948. متزوج من ابنة عمه وله منها 3اولاد ، جهاد وهاني وعايدة، كما يشرف على كفالة طفلين لشقيق زوجته الذي استشهد خلال سنوات الحرب اللبنانية . يقيم في تونس منذ عام 1970، انضم إلى حركة فتح عام 1968.
لقد فاجئنا " سمدارييري" الكاتـب الإسـرائيلي عندمـا أعلن بتاريخ 3/1/2004 أن عدنان ياسين حصل على اللجوء السياسي في السويد ولكننا لم نفاجئ عندما يعلن الموساد الإسرائيلي أن الجاسوس ياسين اصبح في إسرائيل .
حلق عدنان ياسين شنبه قبل أن يصعد في نهاية صيف 2003إلى طائرة شركة طيران أوربية متوجها لمحطة جديدة في حياته ، إذا أعد له مسبقا حق اللجوء السياسي في السويد .
نقل عميل الموساد ، والذي كان الجميع على قناعة خلال عقد كامل بأن منظمة التحرير الفلسطينية قامت بإعدامه ، نقل تحت سرية تامة إلى سيارة تابعة للمخابرات الجزائرية نقلته إلى باب الطائرة برفقة اثنين من الحراس وذلك لضمان نقله بسرية تامة ، وحتى لا يستغل طرف ما الفرصة ويقوم باغتياله.
ولا ريب في أن هناك أسباب كثيرة تدعو ياسين البالغ من العمر 56 عاماً الذي كان ينقل لإسرائيل منذ مطلع التسعينات معلومات موثوقة للتخوف على حياته. وقال دبلوماسي إسرائيلي كبير " وجدت وبصورة دائمة إمكانية مهاجر أمني وخصوصا في حالة مثل حالة ياسين ".
** الهجرة ..والسويد
تستوعب السويد سنويا خمسين ألفا من المهاجرين الجد د نصفهم سياسيون وثلث هؤلاء فلسطينيين .
أطلق سراح ياسين من الإقامة الجبرية في منزله التي كان يخضع لها في الجزائر وحصل على جواز سفر جديد وهوية جديدة ، وكانت السويد خيارا ً طبيعياً له .
اختفى ياسين في عنوانه الجديد ، بعيدا عن المدن الكبرى وكما يبدو ستكون هذه محطته الأخيرة قبل أن يكون الموساد بتهربيه إلى إسرائيل في القريب العاجل كما هو متوقع ، بعد جولة طويلة من التنقلات خلال حياته امتدت على ثلاث قارات وسبع دول.
** لماذا لم يتم إعدامه ؟؟؟
هاجر عدنان ياسين من فلسطين المحتلة إلى بيروت وانضم في شبابه إلى منظمة التحرير الفلسطينية ، وترك لبنان متوجها إلى تونس كبقية المقاومين الفلسطينيين ، ولكنه غادر تونس إلى أوربا حيث أغري بالعمل لصالح " الموساد" وبعد اكتشافه أعتقا وأجري تحقيق معه وقدم لمحاكمة مغلقة وحكم عليه بالسجن المؤبد وسجن ثلاث أعوام في تونس ونقل بعدها إلى الجزائر . وفي نهاية المطاف قدمت له حياته كهدية فقط بفضل أنظمة قضائية دولية لم تمكن منظمة التحرير الفلسطينية من إصدار حكم بالإعدام عليه في دوله أخرى.

** اهتمامات الموساد بالجاسوس عدنان ياسين :
0( رجل الأعمال "أبو اصطيف" )
لقد طلب الموساد عدة مرات من منظمة التحرير الفلسطينية تسليمها الجاسوس عدنان ياسين , و قد اهتمت بقضيته اهتماما كبيرا و سخرت لها وسائل الإعلام الإسرائيلية , و اعترفت رسميا بأن عدنان ياسين هو رجل الموساد في منظمة التحرير الفلسطينية .و لكن رواياتها تختلف عن رواية المحققين مع ياسين , و إن كانت قريبة نوعا ما .
حيث يقول خبراء الموساد أن ياسين وصل في كانون الثاني عام 1991 برفقة زوجته سميحة إلى مستشفى في فرانكفورت تلقي علاج كيماوي من السرطان الذي أصيبت به زوجته , و كان ياسين يائسا و معنوياته متردية , و تفاجأ عندما التقى طبيبا يتحدث العربية و عرف نفسه لياسين باسم جورج وقال بأنه من أصل لبناني , و اقترح الطبيب إيضاح طابع العلاج لياسين وزوجته و دعاهما إلى الكافتيريا و أجريا معه حديثا هناك , ورغم لغته العربية غير الأصلية ذات لكنة أجنبية لم يشك ياسين بأنه إسرائيلي لأنه أبدى اطلاعا واسعا على كل ما يدور بين الجابين بسرعة كبيرة .و خرجا سويا من المطعم وانضم إليهم أصدقاء جورج ورجال الأعمال " نمر " و " ريكاردو " و" أبو اصطيف " وجميعهم يتحدثون العربية .
و عندما اشتكى ياسين خلال الحديث عن المبالغ الباهظة التي يتقاضاها المستشفى لمعالجة زوجته تجند الثلاثة لتغطية المصاريف و اقترح" نمر" على ياسين إقامة شركة أعمال تجارية مشتركة يعمل فيها ياسين ممثل مبيعات في تونس .
دخل ياسين بعيون مفتوحة إلى فخ العسل وتحول خلال سنوات إلى مصدر معلومات لمستخدميه إذ نقل إليهم بطواعية تامة جدول سفريات كل من الرئيس عرفات و مساعديه أبو مازن وأبو علاء وآخرين , و جميع جدول نشاطاتهم العلنية و السرية و أسماء الإسرائيليين الذين يزورون تونس .
"كان ياسين يحتفظ بقائمة الزوار الأجانب و يعمل على إدخالهم إلى تونس بدون تأشيرات سفر, بما في ذلك الإسرائيليين الذين يصلون سرا إلى تونس " .
(و قد أبلغ الموساد مما دفعهم للطلب منهم أسماء الإسرائيليين الذين يزورون تونس ) .
شكلت العلاجات الطبية الدورية لزوجة ياسين تغطية مناسبة لسفرياته إلى أوروبا , و هكذا تمكن الموساد من معرفة ولادة القتال السري الإسرائيلي الفلسطيني في أوسلو , وحذره "ريكاردو" إذا ألقوا القبض عليك يا عدنان و هذا لم يحدث كما أبلغه ريكاردو قل لهم أن ممثلي مجلس الاتحاد الأوروبي هم الذين طالبوك بتقديم هذه المعلومات .
قام ياسين و بتوجيه من الموساد وبمهمة خاصة بتاريخ 13 أيلول عام 1993 في اليوم الذي تم التوقيع فيه على الاعتراف المتبادل بين إسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية في حديقة البيت الأبيض , إذ استغل غياب أحد قباطنة الحدث الاحتفالي " أبو مازن" من اجل إعداد مفاجأة له إذ أدخل إلى مكتبه قطعتي أثاث جديدتين تم شرائهما من محل صغير في فرنسا .
كان ياسين مسئولا عن إدخال وإخراج الشخصيات الهامة إلى تونس ومعالجة شئون جوازات سفرهم مع السلطات التونسية (بما في ذلك الزائرين من إسرائيل ) و عمل على توفير المعدات المكتبية وصيانة أجهزة التصوير و الفاكسات وآلات تقطيع الوثائق السرية .
و أدرك ياسين بأن المقعد الطبي الذي تم شراؤه من باريس بسعر تنزيلات ومصباح الطاولة الأزرق الذي قدم كهدية إضافة لشراء المقعد سيبديان الفرحة في نفس أبو مازن الذي كان يعاني من آلام ظهر مزمنة , لكن أبو مازن لم يعرف شيئا واحدا , لقد عملت أيادي خفية بالاهتمام بالمقعد قبل نقله إلى الشحن من ميناء فرساي . حيث وضعت أجهزة تنصت حساسة تعمل من خلال جسد الجالس على المقعد , تلتقط كل كلمة تخرج من فمه أو تقال بمحيطه , كما أن المصباح الأزرق لم يعد فقط للإضاءة إذ يؤدي إضاءته إلى تشغيل أجهزة تنصت صغيرة توثق المكالمات وتثبت مضامينها إلى كل مهتم بذلك .
و قد كشف النقاب عن أجهزة التنصت بعد أربعة أسابيع في ظروف محرجة جدا و ذلك عندما زل لسان شمعون بيرس وزير خارجية إسرائيل آنذاك , خلال مباحثات طابا التي أجراها مع أبو مازن و عرض معلومات عن حديث مغلق أجراه الرئيس عرفات مع أبو مازن و أبو غنيم و سارع أبو مازن بتقديم تقريره للرئيس عرفات الذي انزعج كثيرا من التنصت الإسرائيلي . وكان دوما كما أسلفت يقول" على أجهزة الأمن الفلسطينية أن لا تغمض أعينها ، فنهاية مرحلة وبدء مرحلة جديدة لا تعني أن إسرائيل أصبحت طرفا يعتمد عليه".
** ليلة الاعتقال:-
بعد عدة أيام من زلة لسان بيريز وصل تونس طاقم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (c.i.a ) للتحضير لزيارة وارن كريستوفر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية سابقاً ، وعندما طالب عملاء( c.i.a) إجراء فحوص دقيقة من أجل منع إمكانية قيام أوساط غير مخولة بنصب أجهزة تنصت في مكتب الرئيس ياسر عرفات طلب أبو مازن منهم فحص مكتبه وقال أبو مازن " كشف النقاب على الفور عن أجهزة التنصت " . ووصل في نفس الليلة ضباط أمن فلسطينيون إلى فيلا ياسين وأعتقلوه هو وابنه هاني .
واختفى الطبيب جورج وكأن الأرض ابتلعته ، كما اختفى رجال الأعمال الثلاثة وأغلق محل الأثاث الصغير في باريس .
وعثر لدى ياسين عند اعتقاله على مبلغ 30 ألف دولار وسيارتين فاخرتين وحساب بنكي كبير ، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة 25 عاما كما حكم على ابنه هاني بالسجن لمدة 5 أعوام بتهمة التعاون مع والده ، واتضح بعد فترة قصيرة من ذلك بأن ياسين هو الذي حذر من مخطط اغتيال " إسحاق شامير " رئيس الحكومة الإسرائيلية وذلك من خلال الإسرائيلي " رفائيل ابراهام " الذي زار تونس وتلقى مبلغ 33 ألف دولار مقابل تنفيذ هذه المهمة . واعتقل ابراهام فور نزوله من الطائرة في مطار بن غوريون في كانون الأول عام 1992.
ونقل ياسين إلى سجن فلسطيني في منطقة حمام الشط بتونس وسمح له مرة واحدة فقط عام 1996 بزيارة وداع لزوجته قبل وفاتها بمرض السرطان في مستشفى بتونس . ونقل ياسين سراً إلى الجزائر وتقرر بعد فترة من الزمن البحث عن ملجا سياسي له في أوربا ، ولأدى التدخل الإسرائيلي إلى ضمان استيعاب ياسين في السويد.

هارى بوتر1988
روبرتو بيترو" جاسوس فوق القانون



ولد لأب يهودي إيطالي وأم هنغارية، وعاش سني مراهقته في الشمال بمدينة "تريستا" الساحرة المطلة على بحر الإدرياتيك، وخدعته الدعاية اليهودية عن أفران الغاز التي التهمت ستة ملايين يهودي في ألمانيا، وبهرته شعارات الصهيونية والحياة الرغدة لليهود في إسرائيل، فهاجر اليها مع أمه رينالدا بعد وفاة أبيه.

هناك خدم في جيش الدفاع الإسرائيلي ثم في جهاز الشين بيت "الأمن الداخلي"، وأظهر كفاءة عالية في قمع الفلسطينيين، وتجنيد بعض الخونة منهم لحساب الجهاز بعد إجادته التامة للغة العربية.

لكن حادثاً مفاجئاً قلب حياته بعد ذلك رأساً على عقب، إذ ضبط أمه عارية في أحضان يهودي يمني، تمكن من الهرب بسرواله تاركاً بقية ملابسه، فأصيب بنكسة نفسية كبيرة، إذ كانت أمه تمثل لديه صورة رائعة لكل معاني الحب والكمال، ولم يتصور أن امرأة مثلها في التاسعة والأربعين، قد تسعى الى طلب الجنس، وتتعاطاه مع السائق اليمني.

لحظتئذ. . قرر ألا يعيش في تل أبيب، وقدم استقالته من عمله وحمل حقيبته عائداً الى مسقط رأسه، عازماً على أن يعيش بقية حياته أعزباً، فطالما خانت أمه فلا أمان ولا ثقة بامرأة أخرى.. !!

لكن مايك هراري ضابط الموساد الإسرائيلي الذي كان يبحث عن ذوي الكفاءات المخلصين لـ "يطعم" بهم أقسام الموساد المختلفة، جد في البحث عن "روبرتو بيترو" حتى أدركه في تريستا، إلا أنه فشل في إقناعه بالعودة معه الى إسرائيل، وتركه أربعة أشهر ورجع اليه ثانية ليخبره بوفاة أمه، ويجدد دعوته له بالعمل معه في الموساد.

استطاع هراري بعد جهد العودة بروبرتو الى تل أبيب، وألحقه فوراً بأكاديمية الجواسيس ليتخرج منها بعد ستة أشهر جاسوساً محترفاً، يجيد كل فنون التجسس والتنكر والتمويه والقتل، عنده القدرة على تحمل صنوف التعذيب المختلفة، وأساليب الاستجواب الوحشية لإجباره على الاعتراف، إذا ما سقط في قبضة المخابرات العربية.

فقد اكتشف خبراء الموساد مقدرته الفذة على مقاومة الألم، الى جانب ذكائه الشديد وإجادته الإقناع بوجهه الطفولي البريء، الذي يخفي قلباً لا يعرف الرحمة.

كل هذا. . يضاف الى خبرته التي لا حدود لها في عالم الإلكترونيات، وتكنولوجيا الاتصالات، وموهبته الفائقة في تطوير أجهزة اللاسلكي، التي يستخدمها الجواسيس في بث رسائلهم.

ومنذ وصل روبرتو لفندق ريجنسي، تتبعه السيارة الماسكوفيتش، وعقله لا يكف عن التفكير في من ذا الذي يراقبه ويقتفي أثره؟ أيكون ضابط مخابرات عراقياً ؟ أم أحد أعضاء الشبكة؟

استبدل ملابسه على عجل وخرج من باب الفندق يمسح المكان بعيني صقر باحثاً عن الماسكوفيتش فلا يجد لها أثراً، وفي شارع السعدون توقف أمام إحدى الفترينات وتأكد من خلال زجاجها العاكس بأن هناك من يراقبه، فاختفى فجأة بمدخل إحدى البنايات وتسمر مكانه في الظلام، وبعد برهة يدلف شبح مسرعاً فيصطدم به، وقبل أن تهوي على رأسه قبضة روبرتو الحديدية، يصيح الشبح على الفور: "مولتي تشاو".

إنها كلمة السر المتفق عليها، ليس في بئر السلم، ولكن بمكتب الخدمات العامة، الواقع على بعد عدة بنايات ويمتلكه إبراهام موشيه، الذي كان يراقب روبرتو بنفسه، وأوشك الأخير ان يحطم فكه بقبضته.

الحب المحرم

لم يكن موشيه يهودياً عراقياً فحسب، بل زعيماً محترفاً لشبكة جاسوسية إسرائيلية داخل العراق، استطاع أن يمد نشاطه حتى الكويت وسوريا، متخذاً من عمله في التجارة والاستيراد ستاراً يخفي وراءه حقيقته، وكانت له قصة مثيرة تستحق منا أن نسردها، ونتتبع معاً كيف انجرف مستسلماً في تيار "الخيانة" منذ صباه، مضحياً بكل شيء في سبيل الوصول الى مأربه، ضارباً عرض الحائط بالأمانة والشرف.

كانت بدايته في ضاحية دوما بالقرب من دمشق. ولد لأم يهودية سورية، وأب يهودي عراقي يعمل دباغاً للجلود، امتلك ناصية الحرفة، وأقام مدبغة في بغداد بعد ستة أعوام من العمل الجاد في سوريا، إذ هرب فجأة الى موطنه الأصلي ومعه أسرته الصغيرة، بعد ما اتهم باغتصاب طفل مسيحي دون العاشرة، فعاش في بغداد يحاصره الخوف من مطاردة أسرة الغلام أو السلطات السورية. لكنه لم يرتدع بعد هذه الحادثة، إذ واجهته هذه المرة تهمة اغتصاب طفل آخر في بغداد.

ولأنه أثرى ثراء فاحشاً، دفع مبلغاً كبيراً لوالد الطفل رقيق الحال، فتبدلت الأقوال في محضر الشرطة، وخرج موشيه ببراءته، ليمارس شذوذه على نطاق أوسع مع غلمان مدبغته، الى أن وجدت جثته ذات يوم طافية بأحد الأحواض المليئة بالمواد الكيماوية المستخدمة في الدباغة، وكان ابنه إبراهام وقتئذ في الثانية عشرة من عمره، وأخته الوحيدة ميسون على أعتاب السابعة.

باعت أمها المدبغة وهربت بثمنها الى مكان مجهول مع السمسار اليهودي الذي جلب لها المشتري، وتركتهما يواجهان مصيرهما لدى عمهما البخيل، ويتذوقان على يديه صنوف القهر والقسوة كل لحظة.

وأمام تلك المعاناة. . ترك إبراهام مدرسته، والتحق بالعمل كصبي بورشة لسبك الفضة يمتلكها تاجر يهودي، بينما عملت أخته كخادمة بمنزل عمها مقابل الطعام، واكتشف إبراهام ميلا لديه للسرقة، فمارس هوايته بحذر شديد في سرقة المعدن الخام قبل سبكه ووزنه دون أن يلحظه أحد.

وما أن بلغ مرحلة المراهقة باندفاعها وطيشها، حتى ظهرت عنده أعراض الشذوذ كوالده، وإن كانت تختلف في الأسلوب والاتجاه، وكانت ضحيته الأولى..أخته التي كان ينام معها في فراش واحد بإحدى الحجرات المنعزلة، فكان يحصل منها على نشوته الكاملة وهي تغط في سبات عميق.

وذات ليلة . . استيقظت ميسون على غير العادة، ولاذت بالصمت المطبق تجاههه عندما أحست به يتحسس جسدها، فهو شقيقها الذي يحنو عليها، ويجيئها بالملابس الجديدة والحلوى، ويدافع عنها ضد جبروت عمه وزوجته، ويطلب منها دائماً الصبر على قسوة الظروف، طائراً بها في رحلات خيالية بعيداً عن منزل عمهما، فكانت لكل ذلك تسكت عليه.

ولما ظهرت عليها صفات الأنثى وعلتها مظاهر النضوج، استشعرت لذة مداعباته التي أيقظت رغباتها، فتجاوبت معه على استحياء شديد في البداية، الى أن استفحل الأمر بينهما للمدى البعيد العميق، فهرب بها الى البصرة، بين أمتعتهما صندوق عجزا عن حمله، كان بداخله خام الفضة الذي سرقه على مدار عشر سنوات كاملة من العمل بالمسبك.

وهناك . . معتمداً على خبرته الطويلة، أقام مسبكاً خاصاً به بحصيلة مسروقاته، واكتسب شهرة كبيرة بين التجار، وأثرى ثراء فاحشاً بعد أربع سنوات في البصرة.

كانت ميسون في ذلك الوقت قد تعدت التاسعة عشرة، جميلة يانعة تحمل صفات أمها الدمشقية، ذات جسد ملفوف أهيف، ووجه أشقر تتوجه خيوط الذهب الناعمة، عيناها الناعستان كحبتي لؤلؤ تتوسطهما فيروزتان في لون البحر، وفم كبرعم زهرة يكتنز بالاحمرار والرواء، وأنوثة طاغية تشتهيها الأعين وما ذاقها إلا إبراهام.

بيد أن الحب له طعم آخر، ولسع بديع يداعب الخيال، فتعزف الخفقات سيمفونية رائعة من أغاني الحياة.

فعندما أحبت ميسون جارها وتمكنت منها المشاعر، هربت كأمها مع الحبيب الى أقصى الشمال. . الى الموصل، فتزوجته مخلفة وراءها إبراهام يلعق الذكريات ويكتوي بنار الوحدة، تنهشه أحزانه فيتخبط مترنحاً، وتميد به الخطوات تسعى الى حيث لا يدري، ويتحول الى إنسان بائس.. ضعيف وحيد.

في هذا المناخ يسهل جداً احتواؤه بفتاة أخرى، تشفق عليه وتقترب منه عطوفة رقيقة، وهذا بالفعل ما حدث، إذ قربته "راحيل" اليها، ولازمته في قمة معاناته للدرجة التي يصعب عليه الابتعاد عنها.

ولأنها ابنة يهودي يعمل لحساب الموساد، وكان لها دور فعال في نشاطه التجسسي، استطاعت أن تضمه بسهولة الى شبكة والدها. ولم لا. . ؟ إنه خائن بطبعه منذ الصغر، استلذ الخيانة عشر سنوات مع صاحب المسبك، وخان الشرف والأمانة عندما انتهك حرمة أخته، ذابحاً عفافها غير مبال بالدين أو القيم، فإن مثله معجون بالخيانة، ليس يصعب عليه أن يخون الوطن أيضاً، فكل القيم عنده طمست معالمها وغطاها الصدأ.

لقد بدت سهلة رحلته مع الجاسوسية بعدما تزوج من راحيل، وأخضع لدورات عديدة صنعت منه جاسوساً، فانتقل الى بغداد ليمارس مهامه الجديدة. ولم يكن يدرك أبداً أن شبكته التي سيكونها فيما بعد، ستكون أشهر شبكات الجاسوسية في العراق قاطبة.

شاخص الداهية

في بغداد استأجر إبراهام منزلاً رائعاً، وافتتح مكتباً وهمياً للتجارة بشارع السعدون، والتحق بأحد المعاهد المختصة بتعليم اللغة الإنجليزية، وجند أول ما جند شاباً يهودياً يعمل مترجماً للغة الروسية، له علاقات واسعة بذوي المناصب الحساسة في الدولة، كثير السفر الى موسكو بصحبة الوفود الرسمية، كان دائماً ما يجيء محملاً بالسلع والكماليات، معتمداً على إبراهام في تصريفها.

كان تجنيده بعيداً تماماً عن الجنس أو المال. إذ كان "شوالم" غالباً ما يحكي لإبراهام أسرار سفرياته وتفاصيل ما يدور هناك بين الوفدين العراقي والسوفييتي، ولم يكن يخطر بباله أن أحاديثه مع إبراهام كانت كلها مسجلة.

وعندما استدرجه ذات مرة للخوض في ادق الأسرار، تشكك شوالم في نواياه فامتقع وجهه واستبد به الخوف، وعلى الفور عالجه ابراهام بالحقيقة، وأكد له بأنه استفاد كثيراً من أحاديثه ونقلها حرفياً للإسرائيليين، فحاول الشاب أن يفلت بجلده من مصيدة الجاسوسية، لكن شرائط التسجيل المسجلة بصوته كبلته، فخضع مضطراً لابتزاز عميل الموساد.

كانت تجربته الأولى الناجحة قد زادته ثقة في نفسه، وأخذ يبتز شوالم الى آخر مدى.

فمن خلاله تعرف إبراهام على مهندس يهودي، يعمل بأحد مصانع الأسمنت في بغداد، تردد كثيراً، على منزله برفقة شوالم في بادئ الأمر، ثم بمفرده بعد ذلك حيث شاغلته راحيل برقة متناهية، وأوحت اليه نظراتها وابتساماتها السحرية بعالم آخر من المتعة، لكنها لم تعطه شيئاً مما أراد، وايضاً لم تتجاهله، فحيره أمرها كثيراً، وما بين شكوكه في تصرفاتها حياله، واستغراقه في تفسيرها، أدمن رؤيتها طامعاً فيما هو أكثر، ليستسلم في النهاية صاغراً، ويستجيب لأوامرها عندما طلبت منه معلومات عن المواقع العسكرية التي تتسلم حصص الأسمنت.

وعندما سلمته أربعمائه دينار مقابل خدماته، صدمته الحقيقة التي تكشفت له، فهونت عليه الأمر وشرحت له الكثير عن واجب اليهود إزاء وطنهم الجديد، إسرائيل، وأمام فتنتها القاتلة لم يتبرم أو يعترض، بل تطوع – إرضاء لها – بجلب المعلومات الحيوية دون تكليف منها، عازفاً عن العمل بمقابل مادي لقاء خدماته، على أمل الهجرة الى إسرائيل في أقرب فرصة، وتوفير فرصة عمل له هناك.

ولما أدركت هي ما يصبو اليه، لعبت على أوتار أمنيته، ووعدته بتحقيقها في التقريب العاجل.

استتر إبراهام خلف مكتبه التجاري، وزيادة في التمويه . . قام بشحن كمية من فاكهة البرتقال الى الكويت، بواسطة سيارة نقل كبيرة "برادة" يقودها سوري عربيد من السويداء، يعشق الخمر العراقي (1) والنساء، له زوجة سورية في درعا، وأخرى عراقية في المقدادية، وثالثة إيرانية في كرمشاه.

كان السائق زنديقاً لا ديانة له، اسمه "خازن" وشهرته "شاخص" لشخوص واضح في عينيه، استطاع هذا الخازن أن ينال ثقة ابراهام خلال فترة وجيزة من العمل لديه في نقل الفاكهة الى الكويت، ولأنه سائق فقط على البرادة، تسلل إبراهام الى عقله ووجدانه، ووعده بأن يمتلك مثلها إذا أخلص اليه "وتعاون" معه.

في إحدى زياراته لزوجته السورية، تمكن شاخص من الحصول على بعض المعلومات التي تتصل بالتحركات العسكرية السورية على الجبهة، وبعض القواعد الجوية التي تطورت منشآتها وتحصيناتها، كما وطدد علاقته بأحد المتطوعين في الجيش السوري من أقرباء زوجته، استطاع بواسطة الهدايا التي أغدقها عليه، أن يتعرف من خلاله على أسرار هامة، تمس أموراً عسكرية روتينية ويومية، قام بنقلها الى ابراهام بأمانة شديدة، فمنحه مبلغاً كبيراً شجعه على أن يكون أكثر إخلاصاً في البحث عن المعلومات العسكرية، ليس في سوريا فحسب، بل وفي الكويت أيضاً.

كانت الكويت في ذلك الوقت إمارة صغيرة غنية، سمحت للعديد من العراقيين والإيرانيين بالإقامة وبعض حقوق المواطنة (2)، فضلاً عن العديد من أبناء الجنسيات العربية الأخرى الذين تواجدوا بها منذ سنوات طويلة. ومن بين هؤلاء كانت توجد نفوس ضعيفة يسهل شراؤها، خاصة أولئك الذين يشعرون بالدونية وبأنهم مواطنون من الدرجة الأدنى.

استطاع خازن أن يستثمر ذلك جيداً في شراء ذمم بعضهم، وحصل على معلومات دقيقة عن أنواع الأسلحة المتطورة في الكويت، ومخازنها، ونظم التدريب عليها، وعدد المنخرطين في الجيش الكويتي، وبعثات الطيارين في الدول المختلفة. وامتد نشاطه الأفعواني الى دول الخليج العربي وإماراته الأخرى. فمكن بذلك ابراهام من تجميع ملفات كاملة، تحوي الكثير من المعلومات العسكرية والاقتصادية والتجارية عن الكويت ومنطقة الخليج.

ميسون عادت

تحير ضباط الموساد في أمر عميلهم أبراهام، فإخلاصه يزيد كثيراً عن الحد المعهود، ونشاطه التجسسي يتطور ويمتد ليشمل بخلاف العراق دول الخليج وسوريا. وكان لا بد من حمايته كي لا يغتر بنفسه فيكشف أمره، وحمايته ليست بالطبع بواسطة حراس مسلحين، وإنما بتدريبه تدريباً خاصاً لرفع الحس الأمني لديه، والوصول بكفاءته كجاسوس محترف الى درجة أعلى في الخبرة والمهارة، فاستدعى للسفر الى عبادان على وجه السرعة، حيث كان ينتظره خبيران من الموساد أحدهما روبرتو بيترو، جاء خصيصاً من أجله لأنه يحمل ترخيصاً تجارياً، لم تواجهه مشكلة في مغادرة العراق.

مكث أبراهام معهما تسعة عشر يوماً، أخضع أثناءها لدورات مكثفة في كيفية فرز المعلومات وتنقيتها، والسيطرة على هذا الكم الهائل من العملاء الذين يدينون بالولاء لإسرائيل، هذا فضلاً عن تدريبه على كيفية الإرسال بالشفرة، بواسطة جهاز لاسلكي متطور أمدوه به وجهاز راديو لاستقبال الأوامر. ورجع إبراهام الى العراق يزهو بالحفاوة التي قوبل بها، وبالتدريب الجيد الذي ناله، وبالأموال الطائلة التي ما حلم بمثلها يوماً.

سرت راحيل بالهدايا الثمينة التي حملها اليها. وجهاز الراديو الرانزستور الحديث بين أمتعته، والذي هو في الأصل جهاز لاسلكي تتعدى قيمته عشرات الآلاف من الدولارات وفي أولى رسائله الى الموساد طمأنهم على وصوله بسلام، وبثهم تحيات زوجته، وتلقى رداً يفيد استلام رسالته، وتمنياتهم الطيبة لهما بعمل موفق.

في الحال شرع إبراهام في الاتصال بأعضاء الشبكة، وطلب منهم معلومات محددة كل حسب تخصصه، وأمدهم بآلاف الدناتير ليغدقوها على عملائهم، فأثبت كفاءة عالية في إدارة شبكته بمهارة.

وذات يوم بينما كان في الموصل، لم يصدق عينيه وهو يقف وجهاً لوجه أمام ميسون في أحد الميادين، وحين ألجمتها المفاجأة أسرعت بالفرار وسط الزحام تتلفت خلفها، بينما غادر سيارته الماسكوفيتش ملهوفاً وأسرع وراءها، تمر برأسه ألوان من الذكريات البعيدة لم يستطع نسيانها. فلما أدركها، ملتاعة صرخت، فطمأنتها نظراته المليئة بالحب والشوق، ومشت معه الى السيارة ترتعد، وقد انحبست الكلمات في حلقومها.

وفي الطريق الى منزلها.. عاتبها كثيراً، وشكا لها قسوة المعاناة التي عايشها من بعد هروبها، وعلى المقود هجمت عليه أشجانه، وغلبته دموعه فاستسلم لها، في حين شهقت أخته باكية تستعطفه، وترجوه أن ينسى ما كان بينهما، وأشارت الى بطنها المنتفخ قائلة إنه الابن الثالث لها.

لكن يهودياً خائناً وشاذاً مثله، لم يكن مؤهلاً لأن يستجيب لرجفة الخوف والضعف عند عشيقته الأولى في حياته .. أخته. فما إن وصلا الى منزلها، وكان خالياً من زوجها، إلا وطالبها بحمل مستلزماتها وولديها والعودة معه الى بغداد. رفضت ميسون مسترحمة، فانهال عليها ضرباً وركلاً غير مبال بصراخ الصغيرين، وأمام إصرارها على الرفض طالبها بحقه . . فيها. . !!

ألم نقل بأنه يهودي خائن، تبرأت منه النخوة واعتلاه الجمود؟ .. هكذا نال ما أراده منها، مدعياً بأنه حق مكتسب وواجب عليها أن تؤديه كلما طلبها.

رجع بغداد مكدراً ليجد راحيل تعاني آلام الحمل الأول في شهوره الأخيرة. وبعد أسبوع يأخذها في الفجر الى المستشفى، فتلد جنيناً ميتاً سرعان ما تلحق به هي الأخرى بسبب حمى النفاث، كأنما أراد الله أن يقطع ذريته الى الأبد، ويحرمه من مشاعر الأبوة فيظل وحيداً كشجرة جافة بلا جذور، تطيح بها الأنواء فتتكسر.

ولأول مرة منذ هجرته ميسون في البصرة، تفتك به الوحدة وتعتصره الأحزان، فتخنق لديه مباهج الحياة، وتبثه اللوعة تكوي عظامه وتزلزل عقله، فيفقد شهيته للعمل، وينزوي في ضعف يسربله الخوف والوهن، وتفر منه اندفاعات الجرأة الى حيث لا مستقر.

اللاسلكي المهشم

في تل أبيب اجتمع ضابط الارتباط بمرؤوسيه، وقرأ عليهم رسالة عاجلة بثت في بغداد تقول: "دوف: أمر بظروف نفسية معقدة. . لا أستطيع الاستمرار في العمل. . لن أكون ذا نفع لكم من الآن . . ابعثوا بمن يقود المجموعة . . سأنتظر ردكم بلا أوامر في الميعاد شالوم".

وجم الجميع، فإشارات الراسلة ورموزها السرية صحيحة، بما يفسر عدم وقوع العميل في قبضة المخابرات العراقية، ماذا حدث إذن؟

كانت هناك شكوك في فحوى الرسالة، فهي إحدى المرات القلائل، الوحيدة التي يتسلم فيها الموساد رسالة غامضة كهذه من عميل نشط. وفسر البعض ذلك بأنه ربما كشف أمره واعترف بكل شيء، وضبط بنوتة الشفرة رموز الاستهلال والختام السرية المتفق عليها. لكن ضابط الارتباط استبعد ذلك، فالعميل يحفظ الرموز جيداً عن ظهر قلب ودرب كثيراً على ذلك في عبادان، ولو أن أمره قد انكشف وأجبر على بث الرسالة، لعكس الأرقام. وكان لابد من معرفة حقيقة الوضع في العراق.

عندئذ بعثوا اليه برسالة مغلوطة سرعان ما جاءهم رده يطلب إعادة البث مرة أخرى، ولما عجز عن فك رموزها، أيقن أن هناك خطأ ما، فبث رسالة تأكيدية أخرى ضمنها إشارت سرية بديلة أراحتهم وطمأنتهم.

على الفور أرسلوا اليه بإيراني خبيث، يدعى طباطباني حبرون يعمل لحسابهم في طهران، تسلل الى العراق بأوراق مزورة تحمل اسم رضائي عبد الرضا، التقى بإبارهام الذي كان شارد الذهن منكسر المزاج، واستطاع بعد لأي أن يعيد اليه توازنه، ويقنعه بالاستمرار في العمل، خاصة وإسرائيل في تلك الفترة كانت تمر بظروف مختلفة، بعدما انتصرت على العرب في حرب يونيو 1967، هذه الظروف كانت تستدعي العمل بجد ترقباً لرد عربي وشيك، قد يدمر إسرائيل ويقضي عليها.

لقد وعده طباطباني بحياة رغدة في إسرائيل بعد انتهاء مهامه، فحرك فيه روح الحمية والعداوة ضد العراقيين، الذين أمدوا الجيوش العربية بالسلاح والعتاد لضرب إسرائيل، فلما نجح الخبيث في مهمته مع الجاسوس المحبط، عاد من حيث أتى، فلقد استرد إبراهام طاقته ومواهبه من جديد، ومارس الجاسوسية على أوسع نطاق، الى أن وقع حادث خطير زلزل كل شيء.

فبينما كان يحمل جهاز اللاسلكي متوجهاً به الى مخبئه بسطح منزله – وقد انتهى لتوه من بث رسالة لتل أبيب – زلت قدمه على السلم، فسقط منه الجهاز الثمين وتبعثرت محتوياته الداخلية.

حينئذ أصيب أبراهام بالفزع، واعتراه اضطراب رهيب. وكتب على الفور رسالة بالحبر السري الى الموساد في أثينا، يطلعهم على الخبر الصاعقة، وكانت صاعقة بالفعل وقد أصابت العقول المتابعة في تل أبيب.

وعقد على الفور اجتماع ضم نخبة من خبراء الموساد، اتخذ فيه قرار نهائي بإرسال روبرتو بيترو الى بغداد لإصلاح الجهاز المعطل.

اطلع ضابط الموساد على المهمة التي كلف بها، وحسب الخطة الموضوعة سافر الى روما حيث تسلم وثيقة سفر إيطالية، وتمت تغطية شخصيته الجديدة كمندوب لشركة انتراتيكو الايطالية للمقابض، حيث سجل اسمه في جميع الدوائر، توقعاً السؤال عنه من قبل مكتب المخابرات العراقية في روما.

فما إن وطأت قدماه مطار بغداد الدولي، حتى كانت عيون مخابراتها ترصده عن بعد. فالجواسيس في تلك الفترة كانوا كمرتادي دور السينما، لا عدد لهم، أغلبهم من يهود العراق الذين ينعمون بالأمن، وأبوا إلا أن يعترفوا بإسرائيل وطناً أولاً لهم. فباعوا أمن العراق وهتكوا ستره، ونقبوا عن أسراره لحساب الموساد.

حصاد المشانق

ما إن رصدت أعين المخابرات العراقية مطاردة إبراهام لروبرتو حتى كثفت من رقابتها، فهناك أمر ما يجمعهما معاً. وتأكد لهم ذلك من لقاء بئر السلم بشارع السعدون. وبينما البحث يجري في روما عن حقيقة روبرتو المجهول، كانت الأجهزة اللاقطة قد زرعت بمكتب إبراهام، الذي تسلل اليه روبرتو دون أن يلحظ وقوف سيارة "فان" سوداء ذات ستائر غليظة، بداخلها أحدث أجهزة التنصت التي تنقل أنفاس من بالمكتب، إضافة الى عربة جهاز تتبع الذبذبات اللاسلكية التي جيء بها من موسكو. فقد كانت تطوف بالمكان بلا انقطاع.

بعد قليل سمع بوضوح رنين جرس الباب، ووقع أقدام تتحرك، وفجأة . . انبعث صفير حاد عطل عملية التنصت. فخبير الموساد المدرب، وبحسه الأمني العالي، أدار جهاز التشويش الذي جلبه معه، تحسباً.

وعلى مدار تسعة أيام في بداية عام 1968، لم تسفر المراقبة عن شيء ذي قيمة، فإبراهام ماكر للغاية، وضيفه يقوم بمناورات عجيبة للتخفي استدعت تغيير فرق المراقبة والرصد كل عدة ساعات، فضلاً عن جهاز التشويش الإلكتروني الطنان، الذي أفشل عملية التسجيل.

وبالرغم من ان التحريات التي جاءت من روما أكدت بأن روبرتو إيطالي لا شك في ذلك، لكن الأمر كان يبدو محيراً حقاً، فالساعات التي كان يقضيها بالمكتب مع إبراهام، كانت دائماً تثير شهية الاقتحام.

وبينما كان الجو مشحوناً بالقلق والاضطراب، فجأة، ودون توقع. . التقط جهاز كشف الذبذبات اللاسلكية إشارات متقطعة لا تكتمل، تبث لاسلكياً من منطقة السعدون، فصرخ أحد الخبراء قائلاً إنها تشبه إشارات جهاز لاسلكي معطل، ويجري إصلاحه وتجربته، وعلى الفور صدرت أوامر عليا بمداهمة المكان. وكانت المفاجأة كما توقعها الضابط العراقي، حيث وجد روبرتو منهماً في إصلاح اللاسلكي، وإبراهام يرقبه عن قرب. .

صعق العميلان. . ولهول الصدمة تسمرا في مكانيهما، فانقض عليهما الرجال وكبلوهما واقتيدا مغميان لمبنى المخابرات، حيث جرى استجوابهما في ذات ليلة، فيعترف ابراهام بكل شيء، بينما التزم روبرتو الصمت رغم التعذيب المميت الذي لاقاه، كأن جسده قد من صخر، لا رابطة بينه وبين مخه.

وبعد ثلاث ليال من التجويع والعطش انهار روبرتو تماماً، وأقر بأنه ضابط مخابرات إسرائيلي، جاء لمهمة إصلاح الجهاز "فقط" لا للتجسس ضد العراق؟‍!

وأسفر التحقيق مع العميلين عن مفاجآت عجيبة لم تخطر ببال العراقيين أبداً، فقد تبين أن شبكة إبراهام تضم 36 جاسوساً، هم في مجموعهم خليط عجيب من يهود عراقيين، وإيرانيين، وإسرائيليين من جنسيات مختلفة، ألقى القبض على غالبيتهم في غضون أربعة أيام، وقدموا الى المحكمة العسكرية العليا، وكانت هي المرة الأولى، في تاريخ الجاسوسية الإسرائيلية في العراق، التي يحاكم فيها ستة وثلاثون جاسوساً، تضمهم شبكة جاسوسية واحدة.

وبقدر سعادة رجال المخابرات العراقية لضبط هذه الشبكة الخطيرة، كانت الصدمة قاسية جداً في إسرائيل، وأمهر رجالها يعدمون في سبتمبر 1968 ببغداد، غير آسفة تحصدهم المشانق والبنادق.

إنها صدمة ما بعدها صدمة، إذ أفقدت الموساد الثقة بأن رجالها أذكى رجال المخابرات في العالم، وتأكد لها بما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك في العراق، وفي سائر الوطن العربي، رجال أشد ذكاء وضراوة وخبرة، بما يؤكد استمرار حروب الجاسوسية والمخابرات بين العرب وإسرائيل، حروب شعواء ينتصر فيها الأقوى، والأمهر، والأذكى، والأشرس، ويندحر فيها المريض الضعيف !!
هارى بوتر1988
قصة عملاء فلسطينيين جندتهم المخابرات الاسرائيلية عبر الانترنت



في إطار حربه الشاملة ضد الفلسطينيين لا يترك العدو الصهيوني وسيلة تخدم أهدافه العدوانية إلا ويستخدمها، فمن عمليات الإبادة الجماعية إلى الاعتقال إلى تدمير القرى والمدن والاستيلاء على الأراضي.. ويرصد التقرير التالي شكلاً من أشكال العدوان الصهيوني والذي يستخدم فيه الشبكة القارية لينفذ إلى الشبّان بغية تدميرهم أخلاقياً ونفسياً، وحسب إحصائيات لشركات "النت" الفلسطينية فإن أجهزة المخابرات الصهيونية قامت وما زالت تقوم بآلاف المحاولات لاختراق شبّان فلسطينيين عبر مواقع معينة وغرف الدردشة.
ونضع في هذا التقرير الحقيقة أمام القارئ الكريم، لن نثير قضية هامشية ولن نختلق قصة من نسج الخيال وإنما سنقدم الحقائق، مجرد الحقائق، قصة شاب فلسطيني تم اصطياده من قبل المخابرات الصهيونية عبر شبكة الإنترنت ، فسقط في مستنقع العمالة حتى تم كشفه على من قبل أحد أجهزة الأمن الفلسطينية ، الذي بدوره قدمه للعدالة لينال جزاءه.

البداية

ولد (ج.ن) في عام 1978م في إحدى المدن الفلسطينية بقطاع غزة، ونشأ في أسرة مستورة يبحث فيها الوالد عن لقمة العيش لأبنائه من خلال عمل بسيط يقتات منه.. لم يكن الوالد أكثر من أي والد يظهر أن دوره ينحصر في توفير لقمة العيش والمصاريف المدرسية أو الجامعية دون أي بعد تربوي أو لمسة دينية يحتاجها كل ابن.
ترعرع (ج.ن) وما أن ذهب إلى المدرسة حتى بدأ يشاهد الأطفال من أبناء جلدته في حالة استنفار دائم، فهم يقارعون الاحتلال بأكفهم وحجارتهم الصغيرة على الطرقات في انتفاضة 87 ولأنه تعلم من أبيه أن يكون ابن كل مرحلة فإنه شارك في أعمال الانتفاضة، ومع دخوله المرحلة الثانوية بدأت بشائر استلام السلطة الفلسطينية زمام الأمور بعد اتفاق اوسلو، وبدأت الحركة المجتمعية والتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي من حوله وأصبح كل ما يهمه في هذه القضية السؤال عن مستقبلها.. الكل أصبح يفكر في غده فصديقه س.ر قد وعد من عمه بمنحة في الخارج وصديقه (ع.ي) وعد من خاله بدورة ضباط أما هو فلا عم يعد ولا خال يتعهد، فكر "بطل" قضيتنا أن يعتمد على ذراعه خاصة وأنّه (فهلوي) يلعب بالبيضة والحجر كما يعتبر نفسه، أنهى الدراسة الثانوية العامة بنجاح عام 1996 ، ثم دخل الجامعة ليتخرج منها عام 2000م ولكن بمجرد أن أنهى الدراسة الجامعية بدأ الكير ينفخ في جمرات انتفاضة الأقصى التي ما لبثت عن اشتعلت نارها من جنوب القطاع إلى شمال الضفة ورغم أنّه اعتاد على أن يكون من أبناء كل مرحلة إلا انه أصيب باليأس والإحباط، فهو غير معني بقضية شعبه، وغير مكترث لما يدور حوله.. أراد أن يهرب من واقعه، لنسيان أنه قد وصل إلى مرحلة التقاعد قبل أن يجد وظيفة، حاول أن يبحث عن حل لمشكلة البطالة بـ "البيضة والحجر" إلا أن البطل "الفهلوي" لم يجد سوى الانترنت صديقاً مخلصاً وجليساً مسلياً، أعطاه كل وقته، وأنفق عليه كل نقوده، لا في مجال المعلوماتية "فهذه موضة مدّعي الثقافة (!)"، وإنما في مجال الدردشة، فهي أفضل دواء للملل وأفضل أنيس في الوحدة، بدأ يراسل من يعرف ومن لا يعرف، كل من في غرف الدردشة يمكن أن يكونوا أصدقاء، عرباً أو أجانب ، فتية أو فتيات، أصبح يتبادل المعلومات الشخصية المزيفة بداية فكيف سيعطي معلومات سليمة وهو الشاب الفهلوي واستمر على هذا الحال لأسابيع عدة.

اهتمام رجل المخابرات به

لم يتوان (ج.ن) في أن يقول قصته عبر الانترنت مع كل من يعرف وأصبح ايميله كرقم التلفون ولولا الإمكانيات لطبع الكروت الشخصية. لم يكن العميل (ص) ليهتم شخصيا بإيميله الذي أعطاه إياه فهو ليس من هواة الانترنت وإنما من هواة الديجيتال إلا أن ولاءه وإخلاصه لضابط المخابرات الصهيوني أبو هارون حتم عليه أن يعطيه هذه المعلومة التافهة.

أخذ أبو هارون المعلومات الشخصية الخاصة بـ (ج.ن) وأخذ ايميله أيضا من خلال العميل (ص) ووضعها في درج مكتبه المكدس بالكثير من هذه المعلومات فهو درج المعلومات التافهة لقد كان أبو هارون منشغلا بمتابعة أخبار إحدى المجموعات المسلحة الناشطة منذ بدء انتفاضة الأقصى المباركة، حاول مرات ومرات أن يصل إليهم إلا أن احتياطاتهم الأمنية حالت دون ذلك، وفي إحدى الليالي وبينما أبو هارون يبحث عن حل لهذه المعضلة فإذا به يضرب رأسه ضربة أسقطت طاقيته السوداء الصغيرة وقال لنفسه: إن ايميل (ج.ن) معي وبحسب المعلومات الشخصية له فإن ابن عمه قائد المجموعة المسلحة، طلب أبو هارون من العميل (ص) معرفة العلاقة التي تربط (ج.ن) بابن عمه وأمهله يومين لإحضار المعلومات الدقيقة، وقبل انتهاء المدة اخبر العميل (ص) أبا هارون أنهما شديدا الصلة فعلاقاتهما قوية إلا أن (ج.ن) غير مكترث بأي عمل نضالي أو وطني فهو يشغل وقته بالانترنت محاولا نسيان هم البطالة.
علم أبو هارون أن (ج.ن) هو السبيل الوحيد لقائد المجموعة المسلحة وابن عمه وصديقه وبدأ يدرس كيفية الوصول له وإسقاطه ولم يكن لـ (ج.ن) أي سبيل فهو لا يقترب من المخدرات، أو حتى الدخان، وليس له علاقات نسائية، ويصعب إسقاطه فهو ليس بالصغير أو عديم الخبرة فهو الآن حوالي 26 عاماً وحاصل على شهادة جامعية، إلا أن الكمبيوتر الشخصي لأبي هارون أوضح أن هناك سلبيتين فقط تصلحان لان تكونا الطريق إلى (ج.ن) انهما البطالة والانترنت.

خطة محكمة

أخرج أبو هارون ايميل (ج.ن) من درج مكتبه وأرسله على الانترنت وقال له: أنا (م) من الإمارات ومن هواة كتابة الايميلات العشوائية وقد وصلت إليك فهل تقبل محادثتي، أجاب ج.ن نعم وبدأت المحادثات بينهم تزيد يوما بعد يوم، حتى أصبحت هناك علاقة شخصية أشبه ما تكون بالصداقة، واطمأن كلاهما للآخر، وكان كلما انقطع أبو هارون (أي الصديق الإماراتي م) عن المراسلة شعر (ج. ن) أنّه يفتقد صديقه، فهو الصديق الإماراتي الذي يتعاطف مع القضية الفلسطينية المحب للشعب الفلسطيني الأديب الخلوق الذي يرفض أن يتحدث عن كافة الأمور غير الأخلاقية المتدين الملتزم بالصلاة والصيام والمعتاد على النوافل، وبعد انقطاع ظل أكثر من أسبوع عاد (م) ليراسل (ج.ن) واعتذر عن انقطاعه عنه فهو كان مشغولاً بابن عمه المريض فهو أكثر من صديق أو أخ لا يتصور الحياة بدونه، ثم مرت الأيام وكان كلما يسأل (ج.ن) عن ابن عم (م) أجابه الأخير بأنه يتعافى يوما بعد يوم، ثم بدأ يتحدث عن ايامهما الحلوة ولياليهم الممتعة، وبدأ يتحدث عن خصال ابن عمه فهو الشاب الجرئ، المقدام، الملتزم، ولأن أبو هارون لن يبقى طوال الوقت يتحدث لوحده عن ابن عمه كان لابد أيضا أن يتحدث (ج.ن) عن ابن عمه وإخوانه وأصدقائه وما أن بدأ يتحدث (ج.ن) عن ابن عمه المناضل حتى بدأ (م) يتنفس الصعداء، فهي اللحظة التي كانت ينتظرها بفارغ الصبر.

اللحظة الحاسمة

بدأ أبو هارون يستدرج المعلومات من (ج.ن) عن ابن عمه المجاهد ويوماً بعد يوم تخلى (ج.ن) عن حذره، فما أصبح يتردد في أن يقول له أن ابن عمه كان يتناول طعام الغذاء عندهم أو انه كان نائما عندهم أو جاء متخفيا في شكل عجوز ..الخ وفي ذات يوم من الأيام قال (ج.ن) إن ابن عمه سيزورهم ويتناول طعام الغذاء ...علم أبو هارون أن هذه هي لحظته فطلب من عميله (ص) أن لا يبرح من منطقته وما عليه إلا أن يخبر أبو هارون بموعد زيارة المناضل ... وبالفعل أعطى (ص) الإشارة لأبى هارون بوصول المناضل ،فطلب منه أبو هارون أن يعلمه بوقت انصرافه وبدأت طائرة التجسس تحلق عن بعد ملتقطة الصور لمنزل (ج.ن) وما أن جاءت الإشارة من (ص) بخروجه حتى أخذت الطائرة بتتبعه إلى أن وصل إلى أحد الشوارع الرئيسية فتم قصفه حيث استشهد مع احد أفراد مجموعته الذي كان قد حضر ليأخذه بالسيارة.

لم يشك (ج.ن) انه قد تسبب في ذلك من قريب أو بعيد وما أن اخبر (م) بنبأ استشهاد ابن عمه حتى صدم (م) من هول النبأ وفداحة الخسارة ثم مرت الأيام
اخبر(م) (ج.ن) أنه يود أن يزوره في قطاع غزة إلا انه في ظل الظروف الحالية لا يستطيع وطلب منه أن يزوره هو في الإمارات وهو على أتم الاستعداد لتحمل تكاليف السفر إلا أن (ج.ن) اخبره بأنه لا يقبل أن يكون عالة على صديقه الإماراتي وكأنه قد صادقه ليقبل منه مساعدة أو مالا ..فأخبره (م) أنّه يريد أن يخدمه بأي وسيلة فقال (ج.ن) إذا كنت تريد أن تخدمني وفر لي فرصة عمل عندكم فانا أعاني من البطالة منذ أن تخرجت قبل أربع سنوات.
فوعده (م) بان يبذل قصارى جهده وبعد أيام اخبره (م) أنه وجد له وظيفة إلا أنها لن تصلح له فهي فقط براتب 500 دولار وهو مبلغ لا يستحق عناء الغربة وطلب منه أن يصبر وبعد أقل من يومين عاد (م) وأخبره بأن هناك وظيفة جيدة بمبلغ 1000 دولار شهرياً وأنّه مبلغ جيد، والمطلوب أن يرسل صور شخصية له وجواز سفر فيه صلاحية لأكثر من سنة وصور لشهادته الجامعية وبالفعل أرسل (ج.ن) كل ما هو مطلوب على رقم فاكس إماراتي فعلا فأرسل (م) مبلغ 200 دولار وقال له قابلني في مصر فأنا سأمكث فيها أسبوعاً وسأعطيك هناك الفيزا وبعد أن نقضي السياحة لمدة أسبوع نعود سوياً إلى الإمارات لأسلمك عملك لم يصدق (ج.ن) ما حصل عليه فالآن أصبح بإمكانه أن يعمل وأن يدخر وأن يرفع من مستوى العائلة وأن يتزوج وكل هذا بالفهلوة والذكاء وها هو الانترنت الذي كان يعاب عليه جلوسه طويلا أمامه هو باب الفرج والسعادة جهز(ج.ن) حقيبته وودع أهله واتجه نحو المعبر .

الصدمة الكبرى

وفي معبر رفح البري طلبت المخابرات الصهيونية مقابلة (ج.ن) وبعد أن دخل غرفة ضابط المخابرات عرف الضابط نفسه أنّه أبو هارون وسأل (ج.ن) هل تعرفني؟ فأجاب (ج.ن) بالنفي فقال أبو هارون ولكني أعرفك جيداً وبدأ يخبره عن تفاصيل دقيقة ..تعجب (ج.ن) من كل هذه المعلومات ثم قال له أبو هارون إنا صديقك (م) الإماراتي الذي كنت أكلمك وقد أرسلت لك مبلغ 200 دولار كمكافأة لقد كانت صدمة لـ (ج.ن) وعانى من الدوار وأراد أن يتقيأ فهدّأ أبو هارون من روعه وناوله كأس عصير رفض (ج.ن) أن يشرب وسأله مكافأة عن أي شيء؟ فقال له أبو هارون لولا معلوماتك عن ابن عمك ما تمكنا من اصطياده ونحن نريد أن يستمر التعاون بيننا رفض (ج.ن) وقال إنا مستعد أن تعتقلني أو تفعل بي أي شيء إلا أنني لن أرضى أن أكون عميلا فقال له أبو هارون :لقد كنت فعلاً عميلاً وإذا رفضت فإننا سنضطر قبل وصولك إلى منزلك أن أرسل المعلومة إلى باقي أفراد المجموعة لتصفيتك قبل وصولك إلى البيت وقبل أن يسمعوك ارتعد (ج.ن) خوفاً وارتجفت يده فعلم أبو هارون أن كل شيء قد انتهى فقد بدأت الحسابات في رأس (ج.ن) سيخاف الفضيحة وسيعلن استسلامه وقبل أن يعلن (ج.ن) قبوله قال له أبو هارون خذ هذا المبلغ واذهب إلى مصر سياحة لمدة أسبوع ورفه عن نفسك لأننا نحتاج منك بعض المعلومات .

سافر (ج.ن) وفي اليوم الذي حدده أبو هارون عاد وقابله مرة أخرى على المعبر وأخذ منه كل المعلومات التي لديه عن أهله وأصدقائه وبالفعل سقط (ج.ن) في فخ العمالة.

النهاية المخزية

عاد (ج.ن) إلى غزة وبدأ يرسل المعلومات المطلوبة لأبي هارون من خلال الانترنت ولكن لم تمض فترة طويلة حتى فوجئ (ج.ن) بأفراد أحد الأجهزة الأمنية يطلبه لمقابلة الضابط فوجئ (ج.ن) أنّه كان مراقب من قبل الجهاز الأمني وأنّ الشبهات وعلامات الاستفهام وضعت عليه منذ أن سافر وعاد فطريقة الحصول على عمل أو الفيزا ثم فشل مخطط السفر والعودة بعد أسبوع كانت كفيلة بأن تثير حوله الشبهات وبالفعل اعترف (ج.ن) بكل ما عنده وحول إلى القضاء لينال جزاءه .

دروس وعبر

إننا نأخذ من قصة العميل (ج.ن) العديد من الدروس والعبر التي لا نستطيع حصرها ولكن يكفي القول أن 6 شهور علاقة على الانترنت كانت كفيلة بإسقاط (ج.ن) والحصول منه على معلومات خطيرة مع العلم أن (ج.ن) كان يعتبر نفسه من أذكياء عصره .
فالعدو الصهيوني يعلم كيف يستغل شبكة الانترنت وكل زاوية فيها أفضل استغلال فهو من خلالها يجمع أدق المعلومات ويدرس حالة الشباب الاجتماعية والأخلاقية بل والميول السياسية وغيرها وكذلك يستخدمها في قتل وقت الشباب وإيصال الرسائل غير المباشرة لهم في إطار ما يسمى بالحرب النفسية والأمر الأدهى من ذلك كله أنه من خلالها يستطيع الوصول إلى الشباب وإسقاطهم كما في القصة التي ذكرناها.
هارى بوتر1988
اخطر شبكات الموساد


في فبراير عام 1958 دخلت سوريا مع مصر في اتحاد اندماجي، وعرفت الدولتان باسم "الجمهورية العربية المتحدة" وكانت سوريا هي الاقليم الشمالي، ومصر هي الاقليم الجنوبي. ورأت إسرائيل في هذا الاتحاد خطراً عظيماً يتهدد أمنها في الشمال والجنوب ومن الشرق أيضاً.

وحوصرت الدولة اليهودية بالجيوش العربية، ولم يتبق لها سوى البحر الأبيض المتوسط – المنفذ الوحيد الآمن، فحصنته بالسفن وبالمدمرات، وزرعت غواصاتها بطول الساحل خوفاً من حصار هذه الجبهة بالقوات البحرية العربية، وأصبحت إسرائيل تعيش في حالة طوارئ دائماً لا تدري من أية جهة تأتيها الضربة الفجائية القاضية.

لذلك حرص ساستها – بواسطة أجهزة المخابرات – على عرقلة نمو هذا التطويق العربي من الشمال والجنوب، ولعبت على كل الأوتار لإفشاله والقضاء عليه. ولم يكن بمستطاعها وقف الزحف العربي لإنقاذ فلسطين المغتصبة، سوى باللجوء الى كل الحيل القذرة والتصرفات الوحشية لإرهاب العرب، وبث الدعايات المسمومة لإخافتهم، وتصوير الجندي الاسرائيلي والعسكرية الاسرائيلية كأسطورة في الأداء والمهارة والقوة.

لذا فقد عمدت الى ترسيخ هذا الاعتقاد لدى العرب بمحو ما يقرب من "293" قرية فلسطينية وإزالتها من فوق الأرض والخريطة، وارتكاب أبشع المذابح في التاريخ دموية وبربرية ضد العرب العزل في فلسطين. هذا بجانب التكثيف الإعلامي والنشاط الدبلوماسي للحد من يقظة روح الجهاد، التي جاهدت قوى الاستعمار على إسكاتها بالضغط على العرب وسد أفواههم.. ومنع السلاح عنهم وإغراقهم في مشاكل داخلية معقدة . . كالجهل والتخلف والفقر والمرض. . وإثارة الثورات الداخلية طمعاً في شهوة الوصول الى الحكم.

كل ذلك أدى الى إضعاف الجيوش العربية في حين كانت إسرائيل تتشكل وتقوى، وتغدق عليها الدول الاستعمارية الكبرى الأسلحة المتطورة الحديثة التي صنعت إسرائيل، وزراعتها في قلب المنطقة العربية لتقسمها الى نصفين – أفريقي وآسيوي – لا أمل في التقائهما إلا بفناء إسرائيل.

من هنا كان الرعب الأكبر لإسرائيل حينما قامت الوحدة في فبراير 1958 بين الشطرين المنفصلين في الشمال والجنوب، وربطهما اتحاد اندماجي وحكومة واحدة على رأسها الزعيم جمال عبد الناصر، خاصة بعدما فشل زعماء اتفاق "سيفر" بفرنسا في العدوان الثلاثي الغاشم على مصر في أكتوبر 1956، والذي انتهى بخيبة أمل انجلترا وفرنسا وإسرائيل، وانسحابهم يملأهم الخزي والعار.

لذلك كان على إسرائيل أن تراقب اتحاد الشطرين، بل وتسعى الى معرفة أدق الأسرار عنهما. . لكي تحتاط الى نفسها من مغبة تقويضها واجتياح الأرض السليبة فجأة.

وكانت أن أرسلت الى مصر وسوريا بأمهر صائدي الجواسيس . . للبحث عن خونة يمدونها بالمعلومات وبالوثائق السرية، فجندت مصرياً خائناً من أصل أرمني اسمه "جان ليون توماس" استطاع تكوني شبكة تجسس خطيرة في مصر، وأرسلت الى سوريا – إيلياهو كوهين – داهية الجواسيس على الإطلاق، وأسطورة الموساد الذي ظل جسده معلقاً في المشنقة لأربعة أيام في دمشق. والأرمن . .جالية أقلية استوطنت مصر هرباً من الاضطهاد والتنكيل الذي تعرض له الشعب الأرمني . . وتعدادهم بالآلاف في مصر .. امتزجوا بنسيجها الاجتماعي وتزاوجوا فيما بينهم في البداية. . ثم اختلطت دماؤهم بالمصريين في مصاهرة طبيعية تؤكد هذا الامتزاج والاستقرار، واحتفظوا فيما بينهم بعاداتهم وتقاليدهم وبلغتهم الأصلية.

وتشير بعض المصادر أن تعدادهم في مصر يصل الى مائة ألف أرمني، يتمتعون بالجنسية المصرية وبكامل الحقوق، وسمحت لهم السلطات بإصدار صحيفة باللغة الأرمينية، تدعم ترابطهم وتذكرهم بجذورهم.

اشتهر عن الأرمن أنهم أناس درجوا على العمل والكفاح والاشتغال بالتجارة، لذلك.. فأمورهم الحياتية والمادية ممتازة.. خاصة بعدما هيأ لهم المناخ المستقر في مصر فرص الانطلاق والنجاح.

وكان "جان ليون توماس" أحد ابناء هذه الجالية، وقد عمل بالتجارة والاستيراد والتصدير، واستطاع بعد عدة سنوات أن يجمع ثروة طائلة تؤمن له مستقبلاً رائعاً. . تدفعه إليه زوجته الألمانية "كيتي دورث" فتغلغل داخل أوساط المجتمع الراقي يزهو بثمرة كده واجتهاده. ولظروف عمله وقرابته تعددت سفرياته الى ألمانيا الغربية لإنجاز أعماله.

هناك . . اقترب منه أحد صائدي الجواسيس المهرة، واشتم فيه رائحة ما غالباً هي نقطة ضعف من خلالها يستطيع الالتفاف حوله. . وتجنيده، لا سيما بعد تأكده من أن له علاقات واسعة في مصر.

ولم تخب حاسة الشم لدى ضابط المخابرات الاسرائيلي الذي يتستر وراء شخصية رجل أعمال. إذ اكتشف هواية خاصة جداً عن توماس. . وهي عشقه للجنس مع الأطفال الصغار. ففي غمرة مشاغله وأعماله، سرعان ما ينقلب الى ذئب شره يبحث عن فريسة تشبع نهم شذوذه.

كان توماس بالفعل يعاني من هذا الداء، ويصاب أحياناً بتوترات عصبية وتقلبات مواجية حادة، تظهر عادة في صورة ثورة على زوجته الجميلة. . التي لم تكن تدرك السبب الحقيقي في هروب الخادمات صغيرات السن من بيتها، ولا يعدن إليه مرة ثانية؟ وفشلت كثيراً في الوصول الى إجابة منطقية لذلك.

بياتريشيا اللذيذة

ولكي يزجوا به داخل دائرة الجاسوسية من أوسع الأبواب. . قذفوا اليه بطفلة يهودية يتيمة في العاشرة من عمرها، طرقت باب شقته في فرانكفورت، ولأنهم زرعوا الكاميرات والأجهزة السرية بها واتخذوا من الشقة المجاورة مكمناً لتسجيل ما سيحدث .. أذهلتهم أغرب مطاردة بين جدران الشقة الصغيرة، بين توماس الذئب الجائع. . والطفلة الضعيفة التي كانت تبكي متوسلة إليه، فيتوسل هو إليها ألا تتركه يعاني أكثر من ذلك.

كان عارياً تماماً، يتصبب منه العرق الغزير وترتجف خلجات وجهه، وبدا في قمة ضعفه عندما هجم على الطفلة، وصفعها في عنف فانخرست من الخوف، وشرع في الحال في تجريدها من ملابسها حتى تعرت تماماً، وبدا واضحاً ارتجاف أطرافها واضطراب أنفاسها اللاهثة، فتحرر بسرعة من ملابسه كأنه لا يصدق أن فريسة بين يديه، واحتضنها في لهفة الجائع وهو يأمرها ألا تصده، أو تعترض على ما يفعله بها.

وفوجئ بهم من حوله، انتزعوا الطفلة من بين يديه فانزوت ترتجف.. بينما أخذ يرجوهم ألا يصحبوه عارياً للشرطة. وأطلعوه على ما لديهم من أدلة شذوذه، فانهار.. ووقع في لمح البصر على عقد يقر فيه بتعاونه مع الموساد، وأنه على استعداد تام لتنفيذ ما يكلف به.

هذه هي الموساد .. تتبع أقذر الحيل للسيطرة على عملائها وإخضاعهم، وهذا ليس بأمر جديد على المخابرات الاسرائيلية، فلا شيء يهم طالما ستحقق مآربها وتجند ضعاف النفوس في كل زمان ومكان.

في قمة مذلته وشذوذه لم تكن لديه القدرة على أن يفكر أو يقرر، إذ أن إرادته قد شلت . . وانقلب الى شخص آخر بلا عقل. . فقد خلفته المحنة وأزهقته الصدمة، وبسهولة شديدة استسلم لضباط الموساد يتحكمون بأعصابه.. وابتدأوا في تدريبه وإحكام سيطرتهم عليه، وكتب في عدة صفحات بيده كل ما لديه من معلومات اقتصادية يعرفها بحكم عمله وعلاقاته، وأحاطوه بدائرة الخوف فلم يستطع الإفلات، وهددوا بقتل أفراد أسرته إذا ما عاد الى مصر وأبلغ السلطات. . فقد كان من السهل إقناعه بوجود عملاء لهم في القاهرة ينتظرون إشارة منهم ليقوموا باللازم مع عائلته هناك.

وتأكيداً لذلك. . أرسلوا باقة زهور الى منزله بمناسبة عيد ميلاد ابنته. . وكم كان فزعه شديداً عندما اتصل بالقاهرة فتشكره ابنته على باقة الزهور التي أرسلها.. وأصيب رجل الأعمال المذعور بصدمة عنيفة، وصرخ في هلع مؤكداً بأنه سيقوم بالعمل لصالحهم. . وتركوه يسافر ملتاعاً ومرعوباً يحمل تكليفات محددة وأسئلة مطلوب إجاباتها، وكانوا على يقين أنه سقط في شباكهم ولن يمكنه الإفلات أبداً.

وفي الطائرة استغرقه تفكير عميق فيما صار إليه حاله، وهل يستطيع النجاة من هذا المأزق أم لا؟ واتصل فور وصوله بصديقه محمد أحمد حسن الذي يشغل منصباً حساساً في مدرسة المدفعية بالقاهرة، وسأله عدة أسئلة تتصل بعمل جهاز المخابرات المصري. وهل بالإمكان حماية شخص ما تورط مع المخابرات الاسرائيلية؟ وكانت إجابات محمد حسن إجابات قاطعة، تؤكد ان المخابرات المصرية من أنشط أجهزة المخابرات في العالم بعد استحداثها وتدريب كوادرها بأقسامها المختلفة، وحسبما يقال فهي تحمي المتورطين إذا ما تقدم بالإبلاغ عما وقع لهم بالخارج.

لكن توماس لم يثق بكلامه، وظن انها دعاية يروجها لا أكثر.. فتملكه الخوف من الانسياق وراء دعاية لن تفيد، وحرص على المضي في طريق الخيانة حتى آخره. بينما انشغل صديقه بالهدايا الثمينة التي جلبها له ولم يسأله عن تفاصيل الأمر. أو عن ذلك الشخص المتورط مع الموساد.

لم يضيع توماس وقته في إثارة أعصابه بالتفكير والقلق.. وشرع كما دربوه في دراسة أحوال المحيطين به ليستكشف نقاط ضعف تمكنه من النفاذ اليهم، وكان أول من نصب شباكه حوله – محمد أحمد حسين – الذي كان يدرك جيداً أن المخابرات المصرية أضافت اختصاصات وتكنولوجيا حديثة تمكنها من تعقب الجواسيس والخونة.

تناسى الرجل العسكري كل ذلك وعاش في وهم ابتدعه. ولم يعد يفكر سوى في نفسه فقط. . وقد طغت هدايا صديقه على أنسجة عقله. كان ذلك في شهر أكتوبر عام 1958 عندما نام ضميره نوم الموات بلا أدنى حياة أو رعشة من شعور. . وأسلم مصيره بل حياته كلها لمغامرة طائشة قادته الى الهلاك.

وكانت "بياتريشيا" خطوة أولى في سلم الموت الذي لا مهرب منه ولا منجي على الإطلاق. . وبياتريشيا هذه راقصة ألمانية مقيمة بالقاهرة. . تربطها بتوماس علاقة قديمة قبل زواجه من كيتي، وفي حين انشغل عنها بعمله اضطر لتجديد علاقته بها بمجرد عودته، لتساعده في تجنيد محمد حسن الذي كان يعرف عنه ميله الشديد للخمر والنساء.

فرحت الراقصة المثيرة بعودة توماس اليها وتقابلت الأغراض والنوايا. . وبعد سهرة ممتعة بأحد النوادي الليلية. . ارتسمت بخيالات محمد حسن صور متعددة لعلاقته ببياتريشيا، أراد ترجمتها الى واقع فعلي لكن راتبه الضئيل لم يكن ليكفي للإنفاق على بيته. . وعلى راقصة مثيرة تجتذب من حولها هواة صيد الحسناوات. وتكررت السهرات الرائعة، التي أصبحت تشكل شبه عادة لديه لم يكن من السهل تبديلها أو الاستغناء عنها، وأغرقته الراقصة في عشقها فازداد اندفاعاً تجاهها، ولم يوقفه سوى ضيق ذات اليد.

عند ذلك لم يكن أمامه سوى الالتجاء الى توماس ليستدين منه، وتضخم الدين حتى توترت حياة محمد حسن. . وانتهزها توماس فرصة سانحة لاستغلاله والضغط عليه فرضخ له في النهاية وسقط مخموراً في مصيدة الجاسوسية. . مستسلماً بكامل رغبته مقابل راتب شهري – خمسين جنيهاً – خصصه له توماس لينفق على الفاتنة التي أغوته وأسكرته حتى الثمالة.

في المقابل لم يبخل محمد حسن بالمعلومات الحيوية عن مدرسة المدفعية. . كأعداد الطلاب بها وأسماء المدربين والخطة الاستراتيجية للتدريب.. كل ذلك من أجل عيون الفاتنة الحسناء العميلة.

فيالها من سقطة .. ويالها من مأساة وخيبة !!

وفي الوقت الذي نشط فيه توماس كجاسوس يقوم بمهمته، تراءت له فكرة تجنيد عملاء آخرين تتنوع من خلالهم المعلومات التي يسعى للوصول اليها. فكان أن نصب شباكه حول مصور أرمني محترف اسمه جريس يعقوب تانيليان – 43 عاماً ، واستطاع أن يسيطر عليه هو الآخر بواسطة إحدى الساقطات وتدعى – كاميليا بازيان – أوهمته كذباً بفحولة لا يتمتع بها سواه.

ولأنه كان ضعيفاً جنسياً. . رأى رجولة وهمية بين أحضانها، فهي المرأة الوحيدة التي "أنعشت" رجولته، وبالتالي فقد كان لزاماً عليه إسباغ رجولة أخرى حولها، وهي الإنفاق عليها بسخاء.

وفي غضون عدة أشهر استنزفته كاميليا مادياً. . فاتبع مسلك محمد حسن باللجوء الى توماس ليقرضه مالاً، فجنده في لحظات ضعفه وحاجته.

ولما اتسع نشاطه.. استأجر توماس شقة بمنطقة روكسي باسم محمد حسن كانت تزهر بأنواع فاخرة من الخمور، وتقام فيها الحفلات الماجنة التي تدعى اليها شخصيات عامة، تتناثر منها المعلومات كلما لعبت الخمر بالرؤوس فتمايلت على صدور الحسان وتمرغت بين أحضانها. وفي إحدى حجرات الشقة أقام جريس تانيليان معملاً مصغراً لتحميض الأفلام وإظهار الصور والخرائط، حيث كان يجلبها محمد حسن من مقر عمله ويعيدها ثانية الى مكانها.

وذات مرة . . عرض توماس على محمد حسن فكرة السفر الى السويس بالسيارة. . ثم الى بورسعيد لتصوير المواقع العسكرية والتعرف عليها من خلال شروحه. . ووافق الأخير ورافقتهما كيتي التي اطلعت على سر مهنة زوجها وشاركته عمله. وكان محمد حسن دليلاً لهما يشرح على الواقع أماكن الوحدات العسكرية.. فيقوم توماس بتصويرها من النافذة وتسجيلها على خريطة معه بينما تقود كيتي السيارة.

المشهد العجيب

وعندما تعثرت أحوال "جورج شفيق دهاقيان" – 45 عاماً – تاجر الملابس، تدخل صديقه توماس بطريقته الخاصة لإنقاذه، وكان المقابل تجنيده للعمل معه في شبكة الجاسوسية.

لم يعترض جورج كثيراً في البداية.. فهو يعلم أنه لا يملك معلومات حيوية هامة تساوي مئات الجنيهات التي أخذها من توماس مقابل إيصالات ورهونات. وقد كان توماس الخائن ينظر الى بعيد. . الى ضابط كبير يقيم أعلى شقة جورج وتربطهما علاقات وطيدة، وكان له دور فعال فيما بعد.

ولأن "بوليدور باب زوغلو" تاجر طموح يحلم بامتلاك محل كبير للمجوهرات بوسط القاهرة .. عرض الفكرة على توماس فأبدى موافقته وشجعه على المضي لتحقيق حلمه، والحلم تلزمه مبالغ كبيرة، والخمر تلتهم حصيلة مكسبه أولاً بأول الى جانب السهرات الماجنة التي تستنزف الكثير من رأسماله. عند ذلك لم يجد توماس صعوبة تذكر في اصطياده أيضاً بعدما رسم له خطوط الحلم المرجو.

لقد رأى بوليدور أن لا شيء يجب أن يعوق تنفيذ حلمه الكبير .. حتى ولو كانت الخيانة هي الثمن.

هكذا مضى توماس يصطاد ضعاف النفوس. . فيمدهم بالمال ويغرقهم في الخمر والجنس ويحصل على مبتغاه من خلالهم.. وانتعشت بذلك شبكة توماس في جمع المعلومات، لا يوقفها خوف من السقوط أو من حبل المشنقة. فالمخابرات الاسرائيلية كانت تؤكد له في كل مرة يزور فيها ألمانيا أن المخابرات المصرية خاملة ضعيفة. نشأت منذ سنوات قليلة ولم تنضج بعد، ومهما أوتيت من علم ومقدرة فمن المستحيل كشفه.

هذا الاعتقاد سيطر عليه فأظهر وفاءه لإسرائيل وكراهيته للعرب ولكل ما هو عربي. وكلما استدعوه الى ألمانيا كانوا يعدون له وليمة يعشقها من الفتيات الصغيرات أو الغلمان. ولم يعد يهمهم تصويره في أوضاعه الشاذة مع الصغار بعد ذلك. . فلقد سقط حتى أذنيه وتوسعت شبكته توسعاً مذهلاً حير خبراء الموساد أنفسهم، إذ تعدت الشبكة حدود مصر الى دول عربية أخرى.. بعدما ازداد توماس علماً بأدق فنون التجسس. . وكيفية السيطرة على شركائه بسهولة بواسطة نقاط ضعفهم التي استغلها بمهارة، وبالأموال الطائلة التي ينفقها عليهم، وقد اشتدت حاجتهم اليها، وقد عرفوا أن لكل معلومة ثمناً وقيمة.

وذات مرة عاد توماس من إحدى رحلاته في ألمانيا وفي ذهنه صورة "جورج استماتيو" الموظف بمحلات جروبي بالقاهرة.

كان استماتيو يشرف على حفلات العشاء التي كانت تقيمها رئاسة الجمهورية للضيوف، ومن خلال دخوله لقصر الرئاسة بشكل رسمي، فقد كان يعد بمثابة سلة معلومات طازجة، تحوي كل ما يدور في الحفلات الرسمية من أسرار وأخبار، ويمكن استخدام هذه المعلومات بشكل أو بآخر، إضافة الى الاستعانة باستماتيو في تنفيذ أية مخططات مستقبلية.

لذلك .. وجدها توماس فرصة لا تعوض .. وكان عنده إصرار متوحش لتجنيده هو الآخر ليحصل منه على معلومات تدر عليه مبالغ خيالية.. خاصة وأن استماتيو – 53 عاماً – يعيش مأساة عجيبة جداً. إذ كان مصاباً بالعنة المؤقتة أو عدم القدرة على الجماع إلا بعد أن يجامعه رجل مثله. حينئذ تعود اليه رجولته ويأتي المرأة بمهارة.

اكتشف توماس هذا السر وأخذ يدبر للسيطرة عليه والدخول به لوكر الجواسيس الذي صنعه. وعندما عرض الأمر على ضباط الموساد. . تهللت أساريرهم وأمدوه بأجهزة حساسة دُرب عليها لتسجيل هذا المشهد الشاذ العجيب. . وعاونه جريس تانيليان في مهمته الى جانب بياتريشيا التي واقت على تصوير المشهد للسيطرة على استماتيو.

كيرلس الوطني الشريف

في شقة روكسي تحولت إحدى حجرات النوم في شقة روكسي الى بلاتوه، وقام أحد الشباب بدور الرجل مع استماتيو المخمور. وكان المشهد الغريب الذي تم تصويره – سبباً لخضوعه. . وسقوطه في دائرة الجاسوسية غصباً عنه. ومن خلاله.. تدفقت أسرار قصر الرئاسة وما يجري بين أروقته، وما يتلقطه من أخبار وأسرار وحكايات لا تنشرها الصحف أو يعلم بها أحد.

داس توماس على كل القيم والمبادئ لتحقيق أغراضه.. ووصل به الأمر أنه قدم زوجته كيتي دورث هدية الى بعض المحيطين به لتستخلص منهم أسراراً معينة. . ولم يبخل بها على صديقه محمد حسن الذي حمل إليه ذات مرة وثيقة هامة تحوي أسراراً غاية في الخطورة، أراد توماس تصويرها فطلب منه محمد حسن الثمن. . زوجته، وأمام رغبته وتصميمه لم يجد بداً من تحقيق مطلبه، وعلى فراشه.

ونعود مرة أخرى الى جورج شفيق دهاقيان . . التاجر الذي أنقذه توماس من الإفلاس، لقد كانت تربطه جيرة وصداقة بضابط كبير بالقوات المسلحة اسمه "أديب حنا كيرلس" لاحظ كيرلس تردد جاره دهاقيان على منزله كثيراً في مناسبات عديدة وبدون مناسبات أيضاً. وكان في كل مرة يناقشه في أمور عسكرية حساسة ويحاول الحصول على إجابات لاستفساراته.. بل وإطلاعه على لوحات ووثائق عسكرية تؤكد شروحه.

لاحظ كيرلس أيضاً أن جاره يعيد طرح أسئلة بعينها سبق أن أجابه عليها. وشك الضابط في الأمر، فهذا التاجر يريد إجابات تفصيلية لأمور عسكرية حساسة. . وكلما أعرض عنه يزداد إلحاحاً عليه. . عندئذ. . انقلب شكه الى يقين. . وبلا تردد حمل شكوكه الى جهاز المخابرات المصرية وأطلعهم على كل ما دار من حوارات.

وبعد مراقبات دقيقة لدهاقيان .. أمكن التعرف على توماس والمترددين عليه، وكانت مفاجأة غاية في الغرابة. . إذ تكشفت شبكة جاسوسية خطيرة كان لا بد من معرفة كل أعضائها. وفي خطة بالغة السرية والحذر . . أمكن الزج بعناصر مدربة الى الشبكة فاتضح أن لها أذرعاً أخطبوطية تؤلف شبكة جاسوسية تمتد لتشمل دولاً عربية أخرى.. تكونت بها خلايا على اتصال بفروع للموساد في كل من ألمانيا وفرنسا وسويسرا وهولندا وإيطاليا. . وكلها تعمل في تناسق مدهش، وتكوّن في مجملها ست شبكات للجاسوسية في القاهرة والاسكندرية ودمشق.

وبالقبض على الخونة في 6 يناير 1961 اتضحت حقائق مذهلة .. فغالبية الجواسيس سقطوا في بئر الخيانة بسبب الانحراف والشذوذ. وكانت أدوات التجسس التي ضبطت عبارة عن خمس آلات تصوير دقيقة، وحقيبة سفر ذات قاع سري، وعلبةسجائر جوفاء تخبئ به الوثائق والأفلام، وجهاز إرسال متقدم وجد بسيفون الحمام بشقة خاصة بتوماس في جاردن سيتي.

وبموجب القرار الجمهوري رقم 71 لسنة 1961 شكلت محكمة أمن دولة عليا. . يشمل اختصاصها كل وقائع التجسس في مصل وسوريا "كانت الوحدة لازالت قائمة" وخلال ستة أشهر.. بلغت جلسات المحاكمة 83 جلسة، وبلغ عدد صفحات ملف القضية حوالي ستة آلاف صفحة، وأدلى 95 شاهداً بأقوالهم منهم الخبراء والفنيون والمختصون، أما عدد المتهمين من المصريين فكان 11 متهماً ومن الأجانب 6 ودافع عنهم 33 محامياً، وجرى ندب طابور طويل من خبراء مصلحة التزيف والتحليل بالطب الشرعي، وخبراء اللاسلكي والإلكترونيات، بالإضافة الى عدد كبير من الفنيين الذين انتدبوا بمعرفة المحكمة، وعدد من المترجمين بالجهات الرسمية.

وفي 25 أكتوبر 1961 أصدرت المحكمة حكماً بإعدام جان ليون توماس شنقاً، ومحمد حسن رمياً بالرصاص، وبالأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة على الآخرين.

أما كيتي دورث فقد أفلتت من العقاب في مصر لأنها سافرت لألمانيا قبل القبض على أفراد الشبكة بعدة أيام، لكن عقاب السماء كان أسرع. إذ صدمتها سيارة مسرعة وقتلت. . في الحال بأحد شوارع فرانكفورت. . بينما باتريشيا التي عوقبت بالسجن لمدة عامين، فقد أصيبت بسرطان في الثدي امتد الى صدرها النافر المثير. . والتهم هذا الجمال الرائع الذي استغل أسوأ استغلال في اصطياد الخونة والجواسيس.

وفي إسرائيل تشكلت لجنة "قعادات" وهو اختصار لاسم "قعادات راشيل هاشيرو تيم" والمؤلفة من رؤساء أجهزة المخابرات في إسرائيل ومستشاري رئيس الوزراء. . لدراسة أسباب سقوط هذه الشبكة .. التي كانت تمثل مصدراً حيوياً يتدفق بالمعلومات الاستراتيجية في الجمهورية العربية المتحدة.

لقد كان هذا السقوط المفاجئ سبباً في صدمة عنيفة لكبار قادة الاستخبارات الاسرائيلية. إذ تبين لهم بشكل قاطع أن هناك عقولاً عربية تستطيع إرباكهم. . وتدمير مخططاتهم القذرة في المنطقة العربية بحيث يجدّون دائماً في البحث عن أساليب جديدة متطورة، تذكي ذلك العالم السري الغامض .. عالم المخابرات والجاسوسية. . !!
هارى بوتر1988

الاعترافات الكاملة للعميل المتورط في اغتيال صلاح شحادة مسؤول حماس في غزة






انتظرت شحادة قرب منزله ليلا وبلغت ضابط المخابرات الإسرائيلي بالهاتف النقال عن وصول الهدف فطلب مني الابتعاد فورا وبعد ربع ساعة أطلقت ف16 صاروخا على المنزل






الاعترافات الكاملة للعميل المتورط في اغتيال صلاح شحادة مسؤول حماس في غزة انتظرت شحادة قرب منزله ليلا وبلغت ضابط المخابرات الإسرائيلي بالهاتف النقال عن وصول الهدف فطلب مني الابتعاد فورا وبعد ربع ساعة أطلقت ف16 صاروخا على المنزل

غزة – دنيا الوطن

العميل اكرم محمد نظمي الزطمة (22عاما) من حي تل السلطان بمدينة رفح الذي اصطحبه اثنان من أفراد الأمن الوقائي ليدلي باعترافاته حول تورطه في عملية اغتيال الشهيد صلاح شحادة ومساعده زاهر نصار. وعن دوره في عملية اغتيال الشهيد صلاح شحادة والتسبب في وقوع مجزرة راح ضحيتها 15 شهيدا بينهم أطفال وثلاث نساء قال العميل الزطمة ان ضابط المخابرات الإسرائيلية المكنى "ابو ايهاب" اتصل به يوم الحادث هاتفيا الساعة العاشرة وخمس واربعين دقيقة ليلا وطلب منه التوجه الى حي الدرج والوقوف قبالة العمارة التي يقطن بها الشهيد شحادة وعائلته قائلا له: ان سيارة خصوصية من نوع "اوبل" ستمر من أمامه بعد قليل مشيرا الى انه بعد نحو 20 دقيقة مرت سيارة تحمل الأوصاف ذاتها حينها اتصل بضابط المخابرات ونقل له تحركات السيارة. واضاف: سألته على ان أبقى في المكان نفسه او ان أغادر بعد تزويده بتلك المعلومات فقال لي: لماذا تسأل المهم ان لا تتوقف في مكان واحد بل تنقل في كافة الاتجاهات في محيط المنزل لأن السيارة ستعود مرة ثانية. وذكر انه بعد نحو 20 دقيقة أخرى عادت السيارة توقفت أمام العمارة التي كان يقطن بها شحادة وترجل منها ثلاثة أشخاص ودخلوا العمارة الأمر الذي جعلني اتصل بالضابط الإسرائيلي وابلغه بذلك حيث امرني بترك المكان والعودة الى شقتي وبعد نحو 20 دقيقة قصفت الطائرات العمارة وحين ذهبت تأكدت انها العمارة التي قمت برصدها بالفعل. وعما اذا كان متأكدا ان احد الذين دخلوا العمارة قبل عملية القصف كان شحادة قال: لا لم أتأكد من ذلك وانما تأكدت ان ثلاثة أشخاص دخلوا العمارة فقط وهذا ما كان يريده ضابط المخابرات منة فقط وانني وقبل الحادث بيومين وحين طلب مني مراقبة العمارة لم اعرف من هو الشخص المقصود بالمراقبة الا بعد ذلك. وأضاف: قدرت ان الذي دخل العمارة في هذه الأثناء هو الشيخ شحادة وذلك لأن من دخل العمارة كان في شكله الخارجي يحمل أوصافه وانا كنت أبعد عن المنزل مسافة لا تقل 30 مترا تقربا وكان الظلام دامسا وهذا ما نقلته الى مخابرات الاحتلال التي أكدت لي انه هو نفسه شحادة. وتبع: وبعد وقوع عملية القصف لم يتصل بي ضابط المخابرات بل انا اتصلت به لأستوضح ما جرى بالتحديد واسباب وقوع ذلك خاصة إنني كنت محطما نفسيا فقال لي:ان ما حدث كان يجب ان يحدث منذ وقت طويل. وقال: حينها قلت له انه كان بإمكانكم ان تغتالوه في أي مكان اخر من دون وقوع ضحايا ابرياء فقال لي انه يجب ان يكون هناك ضحايا لنه لو بقي حيا سيكون هناك ضحايا اكثر من ذلك. وتابع الزمطة انه قال لضابط ان هناك ناس كثيرين في محيط منزل شحادة وان هناك منازل كثيرة في المنطقة الا ان الضابط اخبره بأنه ليس مهما ذلك المهم ان لا يقف في مكان محدد فيما يبدو انها محاولة لعدم إثارة الشكوك حوله. وعن الدور الذي قام به ضابط مخابرات الاحتلال تجاه العميل الزطمة قال: انه لم يقم بأي شيء بل اكتفى بالقول انه سيساعدني للخروج من هذه الأزمة وانه وعدني بمنحي هدية وهي تسهيل مهمة سفري الى الخارج الذي كان كل طموحي في حياتي. واعترف الزمطة بان دوره في عملية اغتيال شحادة ومن معه كان رئيسا وبالتالي ينتظر أي حكم ستنطق به المحكمة حتى ان كان حكم الإعدام فهو حكم عادل ويستحقه على ما اقترفته يداه مبديا ندمه على اللحظات التي عمل فيها مع الشاباك. وطالب الزطمة كافة العملاء المتورطين وغير المتورطين في عمليات اغتيال مناضلين او حتى مواطنين عاديين بالمسارعة الى تسليم أنفسهم الى الأجهزة الأمنية على اعتبار انها السياج الحامي للجميع وليس "الشاباك" الذي يطلق الوعود تلو الوعود والتي يتم في النهاية وبعد فوات الأوان اكتشاف انها أنها زائفة ليس لها أساس من الصحة. العميل الزطمة يدرس اللغة الإنكليزية في جامعة الأزهر وهو مناصر ومتعاطف مع الكتلة الإسلامية بالجامعة وكان يقطن في شقة سكنية استأجرها في عمارة في شارع الوحدة بغزة مع زملاء آخرين في الجامعة. وقال: ان بداية ارتباطه مع مخابرات الاحتلال كان نتيجة طموحه الكبير بالسفر الى الخارج لاستكمال تحصيله العملي خاصة الى أمريكا او بريطانيا او أية دولة أجنبية أخرى. واضاف: حين كنت أتردد على المركز الثقافي البريطاني في غزة شاهدت شخصا أجنبيا يجلس جانبا ويتصفح جريدة باللغة الإنجليزية فدفعني فضولي الى الاقتراب منه وتعريفه على نفسي والتعرف عليه حيث قال لي انه كندي ويعمل محاضرا في علم الاجتماع في إحدى جامعات كندا وجاء الى غزة لاعداد بحث حول الشعب الفلسطيني وأوضاعه المعيشية. واضاف: حينها عرضت عليه مساعدتي له في هذه المهمة فوافق على الفور وقال لي انه اسمه ثيري ويحتاج الى وقت طويل من اجل إنجاز مهمته وهذا يتطلب مني التنقل معه في جميع أنحاء محافظات غزة وأيضا السفر معه الى السفارة الكندية في تل ايب والى القدس ومناطق أخرى. "لم أعارض فكرة السفر معه الى اية جهة لأنه وعدني بتحقيق حلمي وطموحي بالسفر الى الخارج خاصة الى كندا ومساعدتي في استكمال تحصيلي العملي هناك من هنا تنقلت معه في اكثر من مكان وكان يقابل أشخاصا عاديين ويتحدث معهم حول أوضاعهم والفرق بين الوضع الحالي في ظل السلطة الوطنية وقبلها في ظل الاحتلال الإسرائيلي قال الزطمة. واستطرد: عرض ثيري على السفر معه الى الضفة الغربية فسافرت عن طريق الممر الآمن الى بيت لحم والتقينا هناك حيث دخل كنيسة المهد للصلاة ومن ثم قال لي انه يريدني ان اذهب معه الى مدينة القدس أوضحت له إنني لا املك تصريحا للذهاب الى القدس الأمر الذي جعله يعرض علي السفر معه الى السفارة الكندية في تل ابيب لعمل هذا التصريح. وتابع: طلب مني ثيري صورة شخصية فأعطيته إياها حيث احضر لي بعد وقت قصير تصريح دخول الى القدس عليه صورتي حيث تجولنا في تل أبيب والقدس. اما في المرة الثانية فطلب مني السفر معه الى تل ابيب بعد إنجاز التسهيلات اللازمة من اجل الذهاب الى السفارة الكندية لاستخراج بعض الأوراق الخاصة به واثناء مكوثي في السفارة دخل شخص آخر قدمه ثيري لي على انه صاحبه واسمه ديفيد حيث ذهبنا بعدها الى القدس ليعلمني تيري بأنه سيسافر الى كندا. وقال: ان ثيري كان أعطاني خلال هذه الفترة جهاز هاتف نقال إسرائيليا لسهولة الاتصال بينهما وقبل سفره الى كندا حسب ادعائه كان أعطى رقم الهاتف الى صديقه ديفيد الذي عرفني على نفسه في البداية بأنه أيضا كندي واكتشفت في نهاية المطاف انه رجل مخابرات إسرائيلي. وتابع الزطمة: انه حين قال ثيري انه سيسافر الى كندا قلت له انه لم يفر بوعده لي بالسفر الى كندا لاستكمال تحصيلي العلمي الأمر الذي جعله يؤكد لي انه سيعود مرة أخرى لاستكمال بحثه الذي لم يستكمله بعد. وأضاف: بعد فترة وجيزة اتصلت زوجة ثيري بي وأبلغتني ان زوجها توفى في حادث طرق وأنها تريد مني فتح حساب لي في البنك وذلك من منطلق رغبتها في مساعدتي وإرسال نقود لي وهذا ما حصل بالفعل حيث كانت ترسل لي كل شهر مبلغ مائة دولار كمساعدة. واوضح الزطمة: في بداية شهر أيلول العام 2000 أي بعد مرور شهر تقريبا على علاقتي بثيري حضر ديفيد الى غزة وجلست معه في استراحة على شاطئ البحر حيث عرض علي بعض صور لفتيات يمارسن الجنس مع آخرين الأمر الذي أثار حفيظتي وجعلني اعترض على حمله لهذه الصور. وأضاف: ان ديفيد برر حمله للصورة بان المجتمع العربي لا ينظر الى ذلك من اية زاوية أخلاقية وان حمله لها عادي من وجهة نظره الا أنه وفي اليوم الثاني لمكوثه في غزة واثناء لقائي معه اخرج الصور نفسها ليطلعني عليها. وحين نظرت فيها وجدت ان ور الشخص الذي يمارس الجنس مع الفتاة هي صورتي فثارت ثائرتي واعترضت على ذلك الا انه طمأنني بان احدا لن يراها وانما أحضرها من باب المداعبة فقط. وأشار الزطمة الى ان ضابط المخابرات الإسرائيلي ديفيد الذي كان يعرفه حتى لتك اللحظة على انه كندي وصديق لثيري فقط انه سيعمل على إتلاف هذه الصور وانه عمل على دبلجتها على الكمبيوتر حين اخذ ثيري مني صورتي الشخصية لعمل تصريح لي للذهاب الى القدس". وقال: حين اتصلت زوجة ثيري بي هاتفيا وانا اجلس مع ديفيد وأبلغتني ان زوجها مات حزنت كثيرا لأنه مات قبل ان يحقق لي حلمي بالسفر الى كندا مضيفا" ان ديفيد وعدني باستكمال دور ثيري ومساعدتي بالسفر الى كندا. "وبعد عدة أيام طلب مني ديفيد السفر الى الضفة الغربية ومن ثم الى السفارة الكندية في تل ابيب لتجهيز بعض المعاملات واثناء وجودي في احد الفنادق سمعت طرقا على باب الغرفة وحين فتحت الباب رأيت شخصا جديدا عرفني على نفسه بأنه صديق ديفيد فسمحت له بالدخول". وقال الزطمة: اذا هذا الرجل بدأ يسألني أسئلة كيفية التعرف الى ديفيد وأخرى عن حالتي الشخصية وان كانت لي علاقات غرامية مع فتيات ام لا. واضاف: ان هذا الشخص تحدث في البداية باللغة الإنكليزية وسرعان ما بدا الحديث باللغة العربية بطلاقة وحين سألته عن كيفية إتقانه اللغو العربية بهذا الشكل قال انه يعمل في المخابرات دون ان يحدد اية مخابرات كندية كانت ام إسرائيلية. "وبعد لحظات اخرج من جيبه مجموعة من الصور تحمل جميعها صورتي في أوضاع جنسية مختلفة وحين سألته عن كيفية أعداء ديفيد له هذه الصور قال لي ان ديفيد صديقه ولم يخف عنه أي شيء وان وضعه الكبير في المخابرات سيحميني وانه لن يطلع أحد أعلى هذه الصور. واضاف: قلت له أنت مجرد سائح كندي فقط سوف تمكث بعض الوقت ومن ثم ستغادر الى بلدك كندا وهذا لا يجعلك قادرا على توفير الحماية للازمة لي فقال لي: إنني إسرائيلي واعمل ضابطا في المخابرات الإسرائيلية وامرا الذي جعلني ارتبك. "في هذه اللحظات دخل ديفيد الغرفة فقت له كيف يمكنك إعطاء مثل هذه الصور لهذا الشخص وهو من المخابرات الإسرائيلية ويمكنه الان ان يضر بي، فقال انه لا يعرف انه يعمل قي المخبرات وان معرفته فيه على انه شخص عادي فقط وحين خروجه من من الغرفة تظاهر ديفيد انه لا يعرف انه مخابرات سائلا اياه كيف يمكنه ان يصادقه دون ان يعرف له نفسه بأنه رجل مخابرات وانتزع الصور من يده. متظاهرا انه امتعض من ذلك". "وبعد عدة ايام من رجوعي الى غزة اتصل بي ديفيد على الهاتف النقال الذي بحوزتي حيث حددت معه موعدا للقاء على شاطئ غزة وحين جلسنا في إحدى الاستراحات اخرج لي بعض الصور التي تجمعه ومع آخرين وانا داخل إسرائيل وعندما سألته عن كيفية التقاط هذه الصور التي تجمعني معه واخرين وانا داخل إسرائيل وعندما سألته عن كيفية التقاط هذه الصور من دون رؤيتي للمصور نفسه قال لي ان الأمر عادي جدا". وتابع الزطمة: وأثناء حديثي معه في الاستراحة بدا الكلام باللغة العربية وحين سؤالي له عن أسباب محادثته ي الفترة السابقة كلها باللغة الإنجليزية طالما ان يتحدث العربية واستغرابي من انه يتقن هذه اللغة قال لي ان اسمه ابو محمد وانه يعمل ضابط مخابرات إسرائيلي الأمر الذي جعلني ارتبك واخاف. "حينها قلت له: ماذا تريد مني؟ فقال لي إنني لا أريد منك أي شيء وما أريده فقط منك ان لا تتحدث لأي شخص عني او عن علاقتنا معا واذا حدث ذلك فسيتم نشر هذه الصور التي قد تسبب لك مشاكل كثيرة". وقال الزطمة :ان ضابط المخابرات الإسرائيلية ابو محمد كان يقيم في أحد الفنادق في مدينة غزة وطوال هذه الفترة لم يطلب من أي شيء اى ان غاد غزة وبدأت الانتفاضة حيث تركزت مطالبه ليبان أراقب مواقع المواجهات والأحداث الساخنة وان انقل له أوصاف وأسماء أشخاص يقومون بإطلاق النار على مستوطنة "رفيح يام" وعلى برج المراقبة العسكري غرب حي تل السلطان برفح. وأضاف: انه وبعد فترة ليست قليلة من العمل مع ابو محمد اتصل به ضابط مخابرات آخر وعرف نفسه على انه ابو ايهاب الذي بدأ العمل معه حتى اللحظات الأخيرة من ارتباطه مع "الشاباك". وأوضح الزطمة ان انتقاله للسكن من مدينة رفح الى مدينة غزة في نهاية شهر نيسان الماضي كان بناء على رغبته الشخصية وهي التخلص من الانتظار فترات طويلة على حاجز ابو هولي مشيرا الى ان ضابط المخابرات الجديد رحب بالفكرة حيث استغل ذلك بطلبه لي مراقبة الشهيد صلاح شحادة ومنزله من حيث تحركاته وتنقلاته والأشخاص الذين يزورونه ويركبون معه السيارات. وعن تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين مباشرة بعد عملية اغتيال شحادة والخمسة عشر الباقين معه بان المخابرات زودت بمعلومات من عملائها في المنطقة بان المنزل الذي يقطنه شحادة والمنطقة نفسها عبارة عن "عشش" غير آهلة بالسكان نفى الزطمة نفيا قاطعا قائلا: إنني أكدت لضابط المخابرات ابو ايهاب اكثر من مرة ان العمارة التي يسكن فيها الشهيد مكتظة بالسكان وكذلك المنطقة والشارع المحيط بالمنزل أيضا مكتظ بالمارة. وأضاف: ان ضابط المخابرات ابو ايهاب كان يعرف هذه المعلومات وأكد لي ان هذه العمارة يوجد بها سكان اخرون قائلا: انه برر لي ذلك بعد عملية القصف واستشهاد هذا العدد من المواطنين وتدمير المنازل بان صلاح شحادة لو لم يتم اغتياله بهذه الطريقة لكان هناك أشخاص كثيرون أبرياء يمكن ن يكونوا من ضحاياه. وأشار الى انه كان يتقاضى الف شيكل شهريا مقابل خدماته لـ"الشاباك" وعن اعتقاله قال: ان الأمن الوقائي اعتقله للاشتباه به على قضايا أخرى الا انه قرر أثناء التحقيق معه ان يعترف بمسئوليته في المساعدة في ارتكاب "مجزرة غزة".


هارى بوتر1988
فشل في حبه فباع مبادئه للموساد


الفشل في الحب مأساة، قد تدفع بالمحبين الى قمة النجاح، أو تهوي بهم الى حضيض المعاناة والسقوط. ويختلف مسلك المحبين في مواجهة الحقيقة، فالبعض إما ينتحر، أو يجن، أو ينعزل، أو يسامح، أو قد يفكر بالانتقام.

أمراض عديدة متباينة، لكنها طبيعية في حالات الضعف الإنساني وخور الإرادة. أما الغير طبيعي، أن يتحول الفشل في الحب الى ثورة نم الجنون واليأس، تدفع الى تدمير الذات، واسترخاص بيع الوطن الى الأعداء، فهذا هو المثير، والغريب، والمدهش.

وفي عالم المخابرات والجاسوسية، هناك حالات عديدة لفاشلين في الحب، بسبب العوز المعيشي، اندفعوا يبحثون عن الثراء، فباعوا المبادئ والوطن، انتقاماً من الفقر والظروف، والمعاناة.

إنها حالات مرضية شاذة، حار علماء النفس في تفسيرها. . !!

* * * * *

انتهت مأساة سبتمبر 1970 الدامية في الأردن بتصفية المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، واستراح الملك الخائف قانعاً بثبات عرشه طالما غادر الفلسطينيون مملكته، محتفظاً بقنوات اتصالاته السرية بالإسرائيليين، الذين استراحوا كثيراً من تهديد الفدائيين في جبهة حساسة، تعتبر امتداداً جغرافياً للمقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة. فمن بعدها. . أصبح العمل الفدائي في الضفة محدوداً وشاقاً، وكان المكسب ثميناً لإسرائيل بلا شك، تقابله خسارة جسيمة للعرب، وهي تفكيك الجبهة الشرقية، وتركيز العدو على الجبهتين المصرية والسورية فقط.

ولما انتقلت فصائل المقاومة الفلسطينية الى لبنان، اتفق كل من العماد إميل البستاني قائد الجيش اللبناني، وياسر عرفات، على تنظيم اسلوب التنسيق والتعاون. بحيث يتمركز رجال المقاومة في منطقة "العرقوب" بالقرب من الحدود السورية – اللبنانية – الإسرائيلية، ولهم مطلق الحركة في الجنوب اللبناني دون تمركز دائم فيه.

والجنوب اللبناني، يعتز أهله بإطلاق اسم "جبل عامل" على ديارهم. . كما يعتزون بأنسابهم العربية الأصل،والتي تنحدر من أنساب قبائل يمنية ارتحلت بطون منها الى جبال لبنان الجنوبية، فاستقرت وعمرت وأعمرت. والمعروف أن الصحابي الجليل "أبوذر الغفاري" كان قد نزل في قرى الجنوب وخاصة ضيعتي "صرفند" و "ميس الجبل".

ولما اقتلعت الهجمة الاستيطانية الصهيونية الشرسة، آلاف الفلسطينيين من ديارهم في شمال فلسطين، لم يجدوا أرحب من قلوب أبناء الجنوب، فأقاموا بينهم، واقتسموا وأياهم الخبز الأسود، ووطأة الاستغلال الطبقي والقهر الاجتماعي والسياسي، الى أن وصلت طلائع الفدائيين الفلسطينيين، فأحدثت تحولات جذرية وعميقة في كل مجريات الحياة في الجنوب.

وكانت فاتحة عهد جديد، انعقدت فيه عرى علاقة تحالفية لا انفصام فيها بين الفلسطينيين و "العامليين"، أهل الجنوب، إذ تشكلت على الفور قواعد العمل الثوري ضد العدو، وأصبح الجنوب وحدة قاعدة انطلاق الفدائيين، وتسللهم لضرب العدو داخل حدوده في تصعيد دائم لا يتوقف، سبب صداعاً مزمناً لإسرائيل.

لقد انتشر الفدائيون في كل القارات يضربون مصالح إسرائيل ويتصيدون رجال مخابراتها، ويخطفون الطائرات المدنية لإنقاذ زملائهم من الأسر، كما تسابقوا للعمل الفدائي لنسف أحلام العدو في الهيمنة والأمن والاستقرار والتوسع، فكانت الضربات الفدائية بحق موجعة ومؤثرة، ضربات متتالية لا تنقطع ولا تخيب، لفتت انتباه العالم الى وجود شعب مطارد وأرض مغتصبة، وجيل من الشباب متعطش للشهادة في سبيل قضيته، فاندفعت مخابرات إسرائيل تبحث عنهم وتتعقبهم، وترصد تحركات قادة العمل الثوري في كل مكان. وتضاعفت ميزانية أجهزة المخابرات الإسرائيلية للإنفاق على ضرب المقاومة وإسكاتها في مهدها واستقطاب بعض الخونة وضعاف النفوس من بين أهل الجنوب اللبناني، وداخل صفوف المقاومة نفسها، والصرف عليهم ببذخ ليكونوا أداة طيعة وعيوناً على الفلسطينيين. . وجرى البحث عن هؤلاء الخونة الذين تراودهم أحلام الثراء، فيهون عليهم بيع الوطن والشرف.

وكان تحت المجهر "نايف المصطفى" ابن الجنوب. . وهو شاب عضه الفقر، ومزقه حب بلا أمل، قادته أحلام الثراء ورغبة الانتقام الى الوقوع في شركة الجاسوسية.

البوسطجي العاشق
تتعاقب السنون وتتبدل الوجوه والأحوال، إلا نايف، فلم يزل يدفع بدراجته المتهالكة كل صباح عبر التلال والمدقات. . يحمل البريد الى الضياع والدور المتناثرة فوق السفوح، وفي المساء يرجع مهدوداً معفراً يخنقه الزهق. . فينفض عنه وساخاته ويخرج . . تقوده قدماه الى حيث يرى منزلها من بعيد، ويتنسم رائحتها عبر الهواء المار بشرفتها، فيستريح وينام قرير العين، مطمئن الفؤاد، يسترجع في خياله لحظة اللقاء الأول، ورعشة الحب التي تشبه دبيب نمل بأوصاله.

كان يسلمها رسالة من عمها، فرآها جميلة أكثر مما رآها من قبل وهتف:
الى هذا الحد نضجت الصبية؟

يا لفوران بنت الخامسة عشرة التي استغلق عليه الكلام أمامها.

ست من السنوات تفصل بيننا، يا الهي . . هل تعرف نظرات العشق طفلة؟..

ومن يومها .. ظل يمني النفس بالفوز بها. . ويبحث كل يوم عن خطابات من عمها ليحظى برؤيتها، أو يلمس أناملها الرقيقة الناعمة. وأخيراً تحين الفرصة عندما استوقفته تسأله عن "بريد" فاندفع اليها ملسوعاً بلهيب الشوق وصارحها بحبه. .ففرت وجلة من أمامه.

لحظتئذ، زغردت حياته وانتشى عمره:
هكذا تفعل العذاراوات عندما يغزوهن إطراء الحبيب وعبارات الغزل.

عامان والبوسطجي العاشق يلهث وراء محبوبته، فما نال منها سوى ابتسامات خجلى، حيية. . ولملم جرأته أخيراً. . وقرر زيارة والدها ليخطبها، وكان اللقاء عجيباً:

عمي عدنان . .
هه
كرمال قيمتك يا عمي . .
خبرني عما بتريد
لا تهيبني . . الله معك . .
شو .. الحين لسانك عطلان وبالشارع فلتان؟
يا عمي، بدي . . أ . . أ . .
يا أزعر..
معي ألف ليرة . . و . .
فصين مخي ورمانين . . عمي عدنان كرمال قيمتك . . لا تهيبني . . معي ألف ليرة . . شو عم تحكي؟
إنشالله نيتي خير . . بدي . . أ . .
ولشوهالفرك. . ؟ حكي.
أخطب فاطمة.

"صارخاً":
إنشلح مخك يا خرفان . . شو عم بتنعوص؟ . . وزاع البريد يزوج فاطمة؟ . . شو يصير حالها .. تاكل مظاريف . . ؟ بيظهر تركب وراك الدراجة المسخسخة تمرقوا عالبيوت. . كرمال قيمتك يا عمي . . (!!)، تفو عليك شو نيتك عاطلة!

يللي نيته عاطلة تقلب عليه.

صار لازم تفرجينا عرض كتافك يا مسيو . . ألف ليرة (!!!).

خرج نايف ينزف ألماً وكراهية لفقره، ولوظيفته، ولوالد فاطمة الذي أهانه وطرده، فالأربعمائة ليرة – راتبه في مصلحة البريد – لا تكاد تكفي معيشته، وقد أورثه والده خمسة أفواه تلوك أضعاف راتبه لو شاءت . . ياله من ميراث ثقيل !!.

جرجر معاناته تصحبه أينما حل، إذ اندثر بداخله أي أمل في فاطمة، ولكن برغم إحساسات يأسه فقد ظل حبها يثور كالبركان، يضرب جذور وعيه بلا رحمة، ويغوص في عمق أعماقه، فيلتهم الصبر منه ويغتال الحبور.

فكر بالسفر الى الخليج لجلب مهرها، وداعبته كثيراً آمال الهجرة الى وطن آخر، وكان كالبحر الشاسع موجاته حيرى بلا وطن، تتكسر على صخور الشط، لتنقسم رذاذات شتى، تذوب وتنهمد.

وأحس كأنه ضعيف كالموجة ففكر كيف يتمحور، يتشكل، ويصطخب على ألا ينكسر، وتمنى أن يتوحش، وتكون له أنياب الأسد، وأذرع الأخطبوط، وسم الأفعوان. . أو يكون عملاقاً مرعباً كالكيكلوبس الذي فرك سفينة أوديسيوس باصابعه .

أحلامه طالت، وطالت، وبقي في النهاية عاجزاً أمام فقره لا حل لدحره. . أو الفكاك من أحلام يقظته. فغاص في أوهامه مستغرقاً حتى النخاع.

* * * * * *

عام 1942 ولد نايف حسين المصطفى بقرية البستان على مقربة من الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وكان أبوه بائعاً جائلاً للملبوسات الرخيصة، يطوف بها عبر القرى المحيطة يصحبه نايف – أكبر أبنائه – أحياناً كثيرة. ولما فشل في التعليم بعد الابتدائية، امتهن نايف العديد من المهن فلم يوفق، إذ كان طائشاً أهوجاً لا طموح لديه، همه الأول والأخير، السينما وأخبار الفن والطرب، فكان كثير الهرب الى صور وصيدا لإشباع هوايته . فلما مات والده كان في الثامنة عشر من عمره، وتوسط البعض له للحصول على وظيفة بمصلحة البريد.

وبحكم عمله كموزع للبريد، حفظ الدروب والمدقات الجبلية الوعرة، التي تختصر المسافات بين القرى الجبلية في الجنوب. فلسنوات طويلة اعتاد اختراقها بدراجته، متجنباً الأسلاك الحدودية الشائكة، ويافطات التحذير من الألغام المرشوقة، تعلن بالعربية وبالعبرية عن الموت الجاثم بالأعماق، وخلال جولاته اليومية. . ونادراً ما كان يصادف إنساناً يسلك ذات الدروب.

لكن في أواخر عام 1970. . تبدلت مشاهداته اليومية، وأدرك بفطرته أن ثمة مستجدات طرأت، فقد صادفه ذات صباح بمكان موحش خال فريق من الفدائيين الفلسطينيين، كانوا يستطلعون تحركات الأعداء على الحدود بنظارات الميدان، ويرسمون خرائط كروكية لنقاط المراقبة.

لقد أدهشهم مروره الفجائي فاستوقفوه، وألقوا عليه عشرات الأسئلة عن العدو. . وعن سكان المنطقة، وأماكن الاختباء المثلى لمراقبة العدو، وكيفية اجتياز الحدود في الظلام، و . . و . . وكانت إجاباته ليست حبلى بما يجهلون، فموزع البريد لم يعر هذه الأمور انتباهاً منذ وعي. إنه لا يحب السياسة أو الخوض في أحاديثها، بل يجهل كثيراً أسباب الخلاف بين العرب وإسرائيل.. لكنه لم ينسى يوماً مقولة سمعها من والده وهو طفل أغر: "هذه الأسلاك قاتلة، فلا تغامر وتقربها" فشب الصبي وقد رسخت بداخله مخاوف الحدود والأسلاك والرصاص.

ويوماً بعد يوم، اعتاد تواجد الفدائيين الشبان، الذين يجوبون الجبال قرب الحدود، يرصدون ويرسمون ويسجلون، ولا يهدأ بالهم وهم منغرسون في الحفر بانتظار ستائر الظلام، يلوكون علس الأرض ويلحسون الزلط البارد كي يهدأ الحلقوم المتشقق:

" يا لكم من مجانين، تهجرون الحياة في أضواء المدن، الى الجبال والجوع والعطش والحدود واليهود والرصاص. . ؟ ألا أهل لكم وأحلام وحبيبات؟!! ".

تساءل كثيراً مع نفسه لكنه لم يفهم. . فكل ما أدركه أن هناك دروباً ومسالك جبلية لم يكتشفوها بعد . . آثر هو أن يسلكها بعيداً عنهم، حتى لا يستوقفوه كعادتهم ليسألوه ذات الأسئلة التي مل تكرارها.

وفي أبريل 1971 كانت مصادفة عجيبة، وبداية البحث عن "نايف" الآخر الذي طالما حلم به وتمناه، بداية البحث عن العملاق الذيؤ نضا جلدة الضعف، واستوثقت لديه أحلام التوحش، والكيكلوبس.

كلمة شرف
جاء الربيع مونقاً، واكتست الجبال ثوباً من بهاء وجمال، فتعانقت أشجار "الأرز" والصنوبر والتفاح، تحوطها أبسطة تزحف فوقها كل الألون وتتمايل، فأينما امتد البصر لا يرى سوى لوحة بديعة صاغها خالق الكون في إعجاز وجلال. . ومن بعيد في سهل ضيق اعتاد نايف أن يمر بدراجته، منشغل عما يؤرقه بالأطيار والأزهار، يغني بصوت مبحوح، جريح، يائس.

ع كتف هالغيمات . .
ع حدود السما . .
بحبك متل حب الصبا للولدنه. .
أو متل بوسة ناظرة رأس السنة. .
إنت بعمري عمر خايف ضيعو. .
لو راح مني بروح من كل الدني . . !

وذات يوم ربيعي، بينما العاشق المحزون شارد الذهن في ملكوته، إذا بشخص أمامه لا يعرفه، ليس في أواسط العمر كشباب الفدائيين الذين اعتادهم، بوجوههم التي لفحتها الشمس، والأيدي الخشنة المعروقة، لكنه قارب الخمسين.

جلسا سوياً يتجاذبان الحديث. . وأخبره "زياد" – وهذا اسمه الذي ادعاه – بأنه تاجر فلسطيني يسعى لبيع البضائع الرخيصة المهربة عبر الحدود، وفتح حقيبة صغيرة أخرج منها بعض الساعات والولاعات والأقلام، ولاحظ نايف جودتها ورخص سعرها قياساً بمثيلاتها. ولأنه تاجر قديم، ومأزوم يبحث عن مخرج، فقد عرض على زياد مشاركته، على أن يمنحه مهلة للغد ليأتيه بثمن بضاعته.

لم يجبه "التاجر" فوراً، بل أخذ يسأله – بشكل بدا عفوياً – عن أحواله المعيشية، فشرح له تفاصيلها، وقص عليه مأساة حبه الفاشل، ورغبته الملحة في أن يزيد دخله لكي يتجاوز خط الفقر الذي يكبله. وسلمه زياد السلع التي جلبها، وتواعدا – بكلمة شرف – على اللقاء بعد أسبوعين في ذات المكان والوقت.

انطلق نايف سعيداً بالصفقة التي حققها. . فها هو مصدر للكسب جاءه سهلاً مريحاً، وفي صيدا – حيث السوق الكبير – كاد أن يصرخ من الفرح عندما باع بضاعته بثمن خيالي فاق حساباته. وما أن حل موعد اللقاء، إلا وكان سباقاً لملاقاة صاحبه، يأمل في ألا يموت هذا الحلم الحقيقي.

وجاء رفيق تجارته يحمل حقيبة أكبر، فتحاسبا، وانصرف كل لحاله منشرح الصدر بما كسبه . . وقال نايف لنفسه:

"سأطلب من زياد أن نلتقى مرة كل أسبوع بدلاً من أسبوعين".

إنه يكاد يجن . .فقد نفدت بضاعته في وقت محدود. وتجار صيدا ألحوا عليه أن يجيئهم بالمزيد منها. . فامتزج بأحلامه من جديد. . وأخذ يحسب أرباحه المستقبلية في عدة أشهر قادمة. . معتقداً أن بإمكانه الفوز بحبيبته بعدما يملك مهرها، لكن ما كان يخبئه القدر يفوق كل حساباته، وتوقعاته. . إذ خطبت فاطمة لتاجر ثري من "الفاقورة" وأعلن في القرية عن قرب زفافها.

لحظتئذ، انهارت فرحته واكتأبت بوجهه تغاريد الأمل. ولما تقابل وزياد عابساً محزوناً، نصحه بنسيانها وبالاجتهاد في عمله التجاري معه لكي يثرى، فيندم حينئذ أبوها على رفضه زوجاً لابنته، خاصة إذا ما تزوج بمن هي أفضل منها حسباً ونسباً.

حاول نايف أن يستوعب نصيحة صاحبه، وطالبه بأن يلتقيا كل أسبوع ومضاعفة كم البضائع، وفاجأه زياد باستحالة ذلك في الوقت الراهن على الأقل، لأنه فلسطيني من عرب 1948 في إسرائيل. . وأنه يغامر مغامرة حمقاء بعبوره للحدود سعياً وراء الرزق.

بهت موزع البريد الذي لم يكن يعرف أن صديقه إسرائيلي، لكنه تدارك الأمر بعد قليل ولم يعره التفاتاً. فما بينهما مجرد تبادل مصالح فقط بعيداً عن السياسة. . فهو يجلب بضائع زهيدة الثمن من إسرائيل ليببيعها له بثمن أعلى في لبنان، ويتقاسمان الربح. . إنها تجارة بلا رأس مال تدر عائداً مجزياً. ما الضير في ذلك؟.

تعمد ألا يرتبك فيلحظ زياد ارتباكه، وبدا كأنا لأمر طبيعياً لا غبار عليه. ولكي لا يثير ظنونه . . أعاد نايف عرض رغبته في اللقاء كل أسبوع، وتعهد لزياد بألا يراهما أحد، حيث بمقدوره أن يرتب مكاناً آخر أكثر أمناً للقاء، بعيداً عن أعين الفدائيين المتربصين الذين يزرعون الجنوب.

ولما اعتذر زياد متحججاً بتشديد المراقبة الاسرائيلية على الشريط الحدودي. . بسبب العمليات الفدائية التي يقوم بها الإرهابيون المتسللون، يسب نايف الفلسطينيين الأوغاد الذين سيدمرون مشروع تجارته.

نريد كل التفاصيل
ذاق أخيراً طعم المال والثراء، وكان على استعداد لأن يحارب الدنيا كلها كي لا ينقطع تدفق المال بين يديه. لذلك، أصيب بتوتر شديد لما انقطعت لقاءاته بزياد ثلاث مرات متتاليات. لقد كان قد أوصاه ألا يتأخر أبداً عن الموعد المتفق عليه، حتى ولو لم يجئه، ومهما طالت مدة غيابه. . وهذه المرة انقضت ستة أسابيع ولم يجيء صديقه الإسرائيلي، وتساءل نايف في قلق:
ترى هل يجيء ثانية.. ؟

كان يحترق خوفاً من ألا يجيء. . ويزداد ضجره لأنه لا يعرف ما حدث بالضبط .. ووصل به ظنه الى الفدائيين. . فهم بلا شك أهم أسباب حرمانه من فرصة التجارة المربحة.. ذلك أن عملياتهم الفدائية كانت أخبارها على الألسنة في كل مكان. . وود عندئذ أن يفكوا عن عملياتهم. . بل إنه تمنى في داخله أن يرحلوا بعيداً عن أرض لبنان.

تعلق بصره باتجاه الحدود يحدوه الأمل في مجيئه، وأخفى دراجته بين الأعشاب، واستلقى بجانبها كما أمره زياد من قبل خوفاً من شكوك "الإرهابيين" . . وعلى حين فجأة، تهللت أساريره من جديد عندما لاح الشبح قادماً، وبدا الوافد قلوقاً متعباً.

وفي سرد طويل، شرح لرفيقه معاناته في المرور ببضاعته، ومدى حرصه على ألا يتأخر، إلا أن العمليات الإرهابية كانت السبب في إعاقته. . وتكثيف نقاط المراقبة. . وسأله: كيف يتحركون في الجنوب؟ كيف يرصدون الحدود؟ أسئلة كثيرة في تلقائية أجاب عنها نايف بما يعرفه. ووصف لزياد أساليب معيشتهم وأماكن تواجدهم وتجمعاتهم، حتى الممرات ومدقات الجبال التي يسلكونها رسمها على الورق، بل إنه حدد كروكياً مواقع الحفر التي يتخذونها مراكز مراقبة طيلة النهار. ثم ينطلقون ليلاً في أواخر الأشهر العربية، مستغلين الظلام الدامس أو غبش الفجر في قص الأسلاك والتسلل الى إسرائيل.

حدثه أيضاً عن كيفية استقطاب الأشبال وتجنيدهم، وتدريبهم عسكرياً على استخدام المدافع الرشاشة والقنابل في معسكرات مغلقة بالبقاع. وسأله زياد عن المصادر التي استقى منها معلوماته، فأجاب بأنه عرفها من خلال بعض شباب الجنوب الذين انخرطوا في صفوفهم، تحت إغراء الحافز المالي وشعارات الجهاد.

أخرج زياد حافظة نقوده وسلمه ألف دولار . . وهو مبلغ خيالي في ذاك الوقت. . وقال له بأنه سينقل كل هذه المعلومات الى الإسرائيليين كي يثقوا به، فيتركوه ليمر ببضاعته في أي وقت فتزيد أرباحهما معاً.

ولما سأله نايف:
ولماذا تمنحني هذا المبلغ الكبير؟

أجاب:
يا عزيزي، ما قلته لي يساوي أكثر.

قطب جبينه في دهشة أكثر وتساءل في سذاجة:
لست أفهم.

في لؤم شديد مغلف بالإغراء أجابه:
ما دفعته لك سأسترده . . إنهم في إسرائيل يشترون أقل معلومة بأعلى سعر. . فالمعلومة التافهة في اعتقادك قد تنقذ أرواحاً في إسرائيل .. ألا تحب إسرائيل؟

(!!! . . . )

ومتقمصاً دور العربي الوطني:
أنا عربي مثلك كنت أكره إسرائيل في صغري، الآن كبرت، وفهمت لماذا يكره العرب إسرائيل، هم مخطئون لأنهم ينقادون وراء حكامهم، والحكام مستبدون، طغاة، يُسيّرون شعوبهم تبعاً لمشيئتهم. أما في إسرائيل فالديموقراطية هي التي تحكم، الشعب يحكم نفسه، ويملك قراره ومصيره.

(!!! . . . )

وهو لا يزال ينفث سمومه:
في إسرائيل حرية لا يعرفها العرب. حرية في أن تعارض، تجادل، تعمل، تحب، تمارس حياتك كما أردت أنت. أنا مثلاً، أعمل موظفاً ببلدية "نهارية" قرب الحدود. اشتري بضائعي من "عكا" وأبيعها معك في لبنان، إنني أسعى لزيادة دخلي، والحرية عندنا لا تمنعني أن أعيش ميسوراً، ألا تريد أن تعيش ميسوراً؟

نعم.

إذن، فلنتعاون معاً على العمل بإخلاص.. وساعدني كي أجيئك بالسلع كل يوم وليس كل أسبوعين.

وماذا بيدي لأساعدك؟
بيدك الكثير لتكسب آلاف الليرات، وبسهولة. أنسيت فاطمة وإهانة أبوها عدنان؟

وقد بدأ نايف يستجيب لسمومه:
إني طوع أمرك، أريد مالاً كثيراً مقابل أي شيء تطلبه.

هؤلاء السفلة "يقصد الفدائيين" يُضيقون علينا، ويُعكرون "أمننا"، نريد منعهم.

كيف ؟

سأجعلهم يخصصون لك راتباً شهرياً، ألفي ليرة. . عليك فقط أن تحصي عليهم أنفاسهم، وتعرف بتحركاتهم قبل أن يعبروا الحدود . . "نريد الخطط، والمواعيد، والأعداد، نريد كل التفاصيل" !!.

نايف في إسرائيل
حاصره زياد ضابط المخابرات الماكر، ولعب على أوتار فقره وأحلامه في الثراء. مستغلاً ضعف ثقافته وعروبته، وكبله بخيوط الخيانة دون أن يقاوم، وما غادر موضع اللقاء إلا وقد انضم لطابور الخونة العرب جاسوس جديد لإسرائيل.

وذات مرة . . انتهز عميل الموساد الفرصة. . ورسم صورة زاهية لحياة نايف. . إذا تعاون معه بإخلاص دون أن يتعرض لمشاكل مع الفلسطينيين، ولكي يكون أكثر كفاءة ومهارة في عمليه الجديد، كانع ليه أن يخضع لتدريب فني متخصص، وهذا لن يتأتى له في الجبل . . حيث المخاطر من كل جانب.. وكان أن دعاه لاجتياز الحدود معه ليمكث بإسرائيل عدة أيام حيث سيسرهم هناك أن يروه.

لم يكن الأمر من البساطة بحيث يستوعبه نايف بسهولة. . إذ أن أعصابه ارتجفت بشدة وهو ينصت لزياد .. وغامت الرؤى في ناظريه رعباً عندما تخيل نفسه أحد رجال الموساد في الجنوب. كان الحدث بلا شك أكبر بكثير من حجم مداركه البسيطة وأحلامه الواسعة. . لكن جحيم معاناته النفسية كان كزلزال عاتٍ يخلخل جذوره، ويقتلع شعيرات مقاومته التي بدت هشة ضعيفة واهنة، أمام دفقات الخوف والأحلام معاً.

بفكر ضابط متخصص واعٍ .. كان زياد يتفرس صراعات فريسته، ويراقب عن كثب مراحل الترنح التي تسبق السقوط، وبانقضاض محموم أشل إرادته وسيطر على عقله. . فالمال له بريق ساحر كالذهب، يذيب العقول فلا تقوى على مقاومته. . وابن الجنوب كان ضحية الفقر والعجز والمعاناة. . لذلك فما أسهل احتواءه وتصيده بواسطة أصغر متدرب في أجهزة المخابرات.

لقد كانت طقوس سقوطه بسيطة جداً وسهلة. . إذ اشترط نايف لكي يتعاون معهم ألا يفضحوه يوماً ما .. ويعلنوا عن اسمه في سجل الخونة. وكان له شرط آخر يتعلق بالمال، وهو ألا يبخسوا عليه حقه. (!!).

أجيب الى طلبه بالطبع، فقد أخذ شكل الحوار يتغير من حوارات تجارية، الى مساومات وطلبات مكشوفة تتعلق بالتعاون مع الإسرائيليين. ووجدها نايف فرصة ثمينة لا تعوض في الحصول على المال، مقابل معلومات تافهة لا يعرفها الإسرائيليون، لكنهم كانوا في واقع الأمر يعيشون الرعب كل العرب، بسبب تلك العمليات الناجحة في قلب مستوطناتهم الشمالية.

اقتنع نايف بأن أمنه الشخصي مرهون بمدى مهارته وحرفيته. . وآمن بأن التدريب ضرورة ملحة للحفاظ على حياته.. لذلك لم يتوان عن الإسراع بطلب الحصول على إجازة من عمله، وانطلق بدراجته الى نقطة حددت له في الجنوب، وبقي مختبئاً بين الأعشاب ينتظر ستائر الظلام، الى أن لمحا لوميض المتقطع المتفق عليه، فرد بإشارات متقطعة أيضاً، وهو يتعجب من الارتجافة الهلوعة التي اجتاحت أعماقه.

مشى باتجاه الوميض البعيد يجاهد للتغلب على اضطرابه، لكن الليل الحالك وصفير الرياح ورهبة الصمت ضاعف من توتره، وكان رعبه الأكبر من هؤلاء الثعالب المختفين بين الحفر والأعشاب، ينتظرون إشارة الزحف باتجاه الحدود، حاملين رشاشاتهم وأرواحهم بين أيديهم.

فرق كبير بين خائن يسعى للثراء، وثعلب منهم زهد الحياة والمتع وجعل من دمه وعظامه ناراً تؤجج شعلة الجهاد.

وفي غبش الظلام فاجأه شبح ألقى بقلبه الرعب. .وكادت أنفاسه أن تتوقف قبلما يناديه:
اتبعني. .

قاده الشبح المجهول الى الأسلاك والعيون المرتقبة، وكان يتعثر من فيضانات الخوف المهلكة، الدافقة. . ومرت به لحظات ذاق طعم مرارتها بفمه، تمنى وقتها لو أنه عاد ثانية الى بيته، بلا أحلام، أو مطامع، لحظتها فقط اجتاحه إحساس مقيت بالغثيان، لكن الوقت كان قد فات. . وما عادت أمنيات التراجع تجدي.

انطلقت به كالسهم السيارة العسكرية الى حيث لا يدري . . كان يجلس بالخلف وسط أربعة جنود، نظراتهم الحادة المتفحصة كانت تخيفه وتربكه، إنهم بلا شك – وهم يتحدثون بالعبرية – يتندرون على ضيفهم الذي بلا انتماء، الذي جاء متسللاً لينزف عروبته ويبيع وطنه. . وزياد الجالس بجوار السائق لم يكن يكف عن الضحك..

يا للمفارقات العجيبة . . (!!).

كانت النقاط الأمنية منتشرة هنا وهناك طوال الطريق . . ورأى رجال الأمن يفتشون السياراة المارة، إلا سيارته. فقد كان زياد يومئ لهم فقط فيفسحون الطريق في الحال.

أهلاً بك في حيفا. .

هكذا قابلته الفتاة الحسناء عندما فتحت باب المنزل، وتركه زياد معها ومضى دون أن يتكلم معه في شيء.

أسلاك الموت
وفي حجرة نومه بكى كطفل خائف في الثلاثين من عمره، وبقي ينتظر زياد لمدة أسبوع كامل، لكن زياد لم يجيء، ولم يهتم به، إنما تركه برفقة فريق من النفسانيين الذين انكبوا عليه يروضون أحلامه ويحللون أنسجة ضعفه وخذلانه. ثم تركوه لفريق آخر أخضعه لدورات مكثفة في فن التجسس، وكيفية تلقط الأخبار، والتمييز بين الأسلحة.. وأساليب التغلغل داخل التجمعات الفلسطينية في الجنوب واستكشاف نواياها.

يوماً بعد يوم. . وتحول الطفل الخائف الباكي الى ملك يحظى بالاحترام الشديد، إذ انهم أغدقوا عليه هالات من التبجيل أذكت غروره، وطوف به في سيارة ذات ستائر ليرى إسرائيل، وليقارن بنفسه بين واحة الجمال والديموقراطية وجيرانها. . وأوحوا اليه بأساليب متعددة بأن أمنهم موكول اليه والى إخلاصه في التعاون معهم. . وأغرقوه في محيط لا نهائي من الثقة . . ومن الخطايا.

وعندما نجح بكفاءة في استعمال جهاز اللاسلكي في الإرسال، كافأوه بداعرة من بنات الموساد، قذف بنفسه منجرفاً في أتون لهيبها، وتذوق للمرة الأولى في حياته طعم امرأة، أجادت اللعب على أوتاره، ووعدته بأن تكون له دائماً خلال زياراته لإسرائيل.

وفي نوفمبر 1971، عندما رجع الى لبنان بعد غياب 25 يوماً، كانت فاطمة قد زفت الى عريسها. . وارتحلت. . فحبس آهاته ولوعته.. إلا أن فجيعته كانت أكبر من تحمله. . وحاول جاهداً نسيانها فكانت مقاومته أضعف مما تكون.. وفي لحظة صدق مع نفسه بكى. . بكى في مرار وأسى . . وانصب فكره في كيفية الانتقام من أبيها.

لكن مع انخراطه في عمله الجديد تاهت رويداً رويداً رغبته في الانتقام. . وطمست مع الأيام معالمها. .

كان قد أخبر أهله أنه كسب بعض المال خلال أجازته في بيروت. . وأنه سيتمكن من إعادة بناء المنزل ريثما يجد عروساً تناسبه. ولماعاد لعمله في البريد، تعجب لأمره وردد في نفسه:

"أبعد هذا الثراء أركب دراجتي القديمة من جديد؟ لا يهم".

كان قد بدأ ينظر الى الأمور ببساطة، طالما سيتيح له ذلك سهولة التنقل في الجنوب قرب الحدود، يرصد تحركات فرق "الإرهابيين" ويلاطفهم ويرتبط معهم بصداقات، وعلاقات علموه في إسرائيل كيف ينشئها.

فهم دربوه على كيفية استدراجهم للأحاديث الوطنية، وإثارة حماسهم فيخرجون ما بداخلهم من أسرار، هذه الأسرار يجب أن يحفظها جيداً وبدونها، وفي البيت والكل نيام كان يخرج نوتة الشفرة السرية ويبث رسائله:

"تصادقت مع فلسطيني فدائي، دعاني لزيارته في مخيم عين الحلوة، المخيم به مركز عسكري للتدريب على استعمال السلاح والقنابل وصنع المتفجرات. كان به ثلاثون شاباً، يمنحونهم مكافآت ومواد غذائية وملبوسات، هم الآن يجهزون لعملية فدائية ضد مستعمرة "حانيتا"، سأخبركم بميعاد العملية".

هكذا كانت تتوالى رسائله الى الموساد أولاً بأول. كان يبثها في موعد محدد في الليل لأيام متصلة إذا لزم الأمر. وفي الصباح يحمل حقيبة البريد أمامه مربوطة بالمقود، ويمر بدراجته بين القرى الحدودية، يتلقط الأخبار ويتلصص، ويراقب تحركات الفدائيين وأعدادهم وعددهم، مكثفاً من زياراته لمخيمات الفلسطينيين في الجنوب – "الرشيدية والبرج الشمالي والبص في صور، وعين الحلوة في صيدا" – ولاحظ عن قرب مظاهر الحياة المعيشية الصعبة بالمخيمات. وكيف يعيشون على الكفاف داخل صناديق من ورق وخشب، يعانون الزحام والبطالة والمرض، تحوطهم الأسوار والمأساة ورائحة الموت.

لم تهزه أحزان الطفولة اليتيمة على وجه مئات الأطفال، أو تثنيه عن قتل آباء آخرين . .هكذا تحجرت مشاعره ومات بداخله الإنسان، فكل ما كان يسعى اليه هو الثراء، الثراء بأية وسيلة حتى ولو يبيع الوطن، والشرف "من ذا الذي يتجسس للأعداء ويعرف الشرف؟".

نبذته النخوة وسيطر عليه الشيطان فبصق على ذاته واستمر في طريقه:

"ثلاثة يستعدون للتسلل عبر المنطقة (. . ) التوقيت المقترح (. . . )".

"لنش مطاطي يبحر به أربعة من (. . . ) الهدف – (. . .) – التوقيت (. . . )".

"قبضوا على صديقكم سعدون في قلعة الشقيف – لازال رهن التحقيق".

عشرات الرسائل بثها نايف المصطفى الى الموساد، فأفشل العديد من عمليات الفدائيين سواء بالقبض عليهم، أو بقتلهم عند اجتياز الحدود.

استحق الإعدام
وفي إحدى زياراته لمدينة صيدا، في سبتمبر 1972، تقابل في طريق البوليفار الذي يقع الى البحر مباشرة، بفتاة فلسطينية عرجاء، تتسول. سألها عن أبيها فأجابته بأنه فقد بصره وإحدى يديه في انفجار عبوة كان يعدها، ولها شقيق تطوع في صفوف المقاومة اختفت أخباره.

رادوها عن نفسها فرفضت وهمت بالانصراف. فعرض عليها مائة ليرة لتخبره بأسماء قادة الفدائيين في مخيمها "عين الحلوة". أحست ابنة الرابعة عشرة بأنها تحادث أحد الخونة، وكانت لحظه السيء تملك رغم صغرها حساً أمنياً عالياً، أورثتها إياه كوارث زلزلت حياتها منذ وعت.

تلفتت الفتاة يمنة ويسرة ولما اقتربت إحدى السيارات العسكرية، صرخت بكل عزمها: جاسوس، جاسوس.

انطلق نايف كالسهم هرباً وقد ولت جرأته. . واختبأ لثلاث ساعات بين أنقاض مسرح قديم مهدم. خرج بعدها في هدوء وكأن شيئاً لم يكن. وفي المنطقة الواقعة بين شركة الداتسون والتيرو بطريق صيدا القديم، انقض عليه عدة رجال وكبلوه، وعندما دفعوا به الى العربة الجيب كانت الفتاة تجلس مزهوة فرحة.

أخذوه الى معسكر فلسطيني بطريق "دير قانون البحر" وبين طيات ملابسه عثروا على رسوم كروكية لمواقع فلسطينية في مثلث الراهبات، وشارع رياض الصلح، ولأهم المفارق الحيوية بصيدا.

وبالتحقيق معه حاول قدر استطاعته أن يناور . . ويتغابى، لكنه انهار في النهاية واعترف بعمالته للموساد، وأرشد عن الجهاز اللاسلكي الذي عثروا عليه بقاع سحري بدولاب ملابسه. عثروا أيضاً على أربعة آلاف دولار، وستة عشر ألف ليرة لبنانية ثمن خيانته وتجسسه لمدة عام.

وبنفسه كتب اعترافاً كاملاً بظروف حياته، ومعاناته النفيسة التي أثرت على وعيه، وخطوات تجنيده بداية من زياد، ثم زيارته لإسرائيل، حيث سيطروا عليه هناك بالمال والجنس، وصوروه بإرادته في احط الأوضاع وأقذرها مع إسرائيليات، بدعوى أنهم مضطرون لتصويره لضمان إخلاصه لهم، ولكي يحافظ على جهاز اللاسلكي الذي يفوق ثمنه مائة ألف دولار.

في اعترافاته قال أيضاً أنهم وعدوه بثلاثين ألف دولار، مقابل تجنيد ضابط فلسطيني في صفوف المقاومة، وشمل اعترافه قائمة طويلة بأسعار المعلومات المطلوبة، وجملة ما يخصه من أموال ورواتب متأخرة لدى الموساد.

سلمه الفلسطينيون للسلطات اللبنانية لمحكامته (ليس لهم الحق في محاكمة لبناني أو أجنبي خائن، ولو كان يتجسس عليهم، فهم يحاكمون فقط مواطنيهم المتهمين بالخيانة. وغالباً ما يتم إعدامهم رمياً بالرصاص).

ومثل الخائن أمام المحكمة العليا ببيروت، وفي فبراير 1973 أدين بالحبس مدة سبع سنوات.

وبعد ثمانية أيام في السجن عقد له زملاؤه المسجونون محكمة أخرى، أعضاؤها الخمسة من القتلة واللصوص، وحكموا عليه إجماعاً بالإعدام شنقاً.

كان يظن طوال الوقت بأن الأمر مجرد هزل مساجين، لكنهم انقضوا عليه وشنقوه بالفعل بواسطة حبل جدلوه من ملابسهم، وكان ذلك عشية احتفاله بعيد ميلاده الثلاثين، واعترفوا بلا أدنى مواربة بأنهم اقتصوا منه وحاكموه بالعدل، وبقانون العروبة والوطن، لا بقوانين لبنان.

ألم نقل من قبل أن لبنان بلد العجائب، وأنه البلد العربي الوحيد الذي لا يعدم فيه الجواسيس بنص القانون ؟!
هارى بوتر1988
الجاسوس خميس أحمد بيومي


هكذا جند "موساد" الجاسوس بيومي ليفجِّر السفارة العراقيّة ومكاتب منظّمة التحرير في بيروت


الخميس سبتمبر 18 2008
القاهرة - - جندت اسرائيل المواطن اللبناني خميس أحمد بيومي (34 عاماً) ودربته على أن يكون جاسوساً بلا قلب، منزوع المشاعر وحشياً في إجرامه، لتنفيذ سياستها التخريبية في لبنان والضرب بلا رحمة في الصميم. وبدأ دور المخابرات الإسرائيلية في عرقلة التطورات اللبنانية، وقطع خطوط التوافق والتمازج بين لبنان والعرب، باللجوء الى أسلوب شبكات التخريب، حيث رأت أنه الحل الأسرع والأسهل، ذلك لأنها جرّبته كثيراً ونجحت فيه، ولها عشرات السوابق في ذلك أهمها فضيحتي "لافون" وتهديد علماء الصواريخ الألمان وقتلهم في مصر. تعود حكاية بيومي الى الواجهة مع صدور كتاب جديد يكشف كيف جند "موساد" المواطن اللبناني. هنا اجزاء من حكايته كما نشرتها صحيفة "الجريدة" الكويتية.
فى إحدى البنايات المطلة على البحر مباشرة في طريق بوليفار، ولد خميس لأسرة ميسورة وافرة العدد، فوالده مقاول كبير يملك مكتباً فخماً يموج بعشرات الإداريين، وفي محيط هذا الثراء عاش مدللاً مرفهاً ومنعماً، لا يعلم من أمر الدنيا سوى اللهو والسهر في مقاهي بيروت وصيدا برفقة من يماثلونه ثراء، فقضى سني عمره بحثاً عن المتعة ومطاردة النساء، متجاهلاً نصائح والده الذي فشل في الاعتماد عليه في إدارة أعماله، فتركه لحاله يائساً منه، غاضباً عليه، على أمل أن يأتي يومٌ ويفيق إلى نفسه.
لكن أمله لم يتحقق في حياته، إذ مات الوالد فجأة في حادث سيارة، وتبين لأسرته أنه مدين بمبالغ طائلة للبنوك، وأفاق خميس على واقعه المؤلم وقد صفعته الصدمة وزلزلته الكارثة، خصوصا وقد تهرب منه أصدقاء السوء فوجد نفسه فجأة العائل الوحيد لأمه وإخوته الستة، وكان عليه أن ينبذ ماضيه ليقيهم مرارة الفقر والعوز والمعاناة.
عمل خميس اختصاصياً للعلاج الطبيعي في أحد مراكز تأهيل المعوقين في صيدا، وبعد مرور أربع سنوات في العمل، اكتشف أنه مثل الثور الذي يجر صخرة يصعد بها إلى الجبل، وفي منتصف المسافة تنزلق الصخرة، فيعاود الكرة من جديد من دون أن يجني سوى الشقاء، لذلك كره نفسه وواقعه، وفكر فى الهجرة إلى كندا وبذل جهداً مضنياً لكن محاولاته فشلت، فخيمت عليه سحابات الغضب واليأس، وانقلب إلى إنسان عصبي وعدواني، وأصبح مخلوقا ضعيفا عاجزا عن المقاومة وسط حالة الفشل التي تلفّه من الجهات كافة.
في شباك الجاسوسيّة
ذات صباح التقى خميس بسيدة أرمينية مسنّة، جاءت لتسأله عن إمكان عمل علاج طبيعي لابنتها المعاقة في المنزل، وأعطته العنوان لكي يزورها بعدما أطلعته على التقارير الصحية التي تشخّص حالتها. وجد خميس في حديثها وملبسها علامات الثراء، فزار منزلها حيث كانت ترقد "غريس" بلا حركة، طفلة في التاسعة من عمرها في عينيها شعاعات الأسى والبراءة.
ظل خميس مداومًا على زيارتها للعلاج إلى أن التقى بخالها "كوبليان" تاجر المجوهرات في بيروت، فتجاذبا معاً أطراف الحديث، وقص خميس حكايته مع الثراء وليالي بيروت، وصراعه المرير مع الفقر لينفق على أسرته، وسأله كوبليان سؤالاً محدداً، عن مدى قدرته على الإقدام على عمل صعب بمقابل مادي كبير، فأكد خميس استعداده لعمل أي شيء في سبيل المال.
سافر كوبليان إلى بيروت وقد خلف وراءه صيداً سهلاً، ضعيفاً، يكاد يفتك به قلق انتظار استدعائه، وما هي إلا أيام حتى فوجئ كوبليان بقدوم خميس يرجوه أن يمنحه الفرصة ليؤكد إخلاصه، فهو ضاق ذرعاً بالديون والحرمان ومتاعب الحياة. رحب به عميل "موساد" واحتفى به على طريقته، وهيأ له الفرصة لكي يجدد ذكرياته أيام الثراء، ولم يكن الأمر سهلاً بالطبع فسرعان ما انجذب خميس لماضيه، وترسخت لديه فكرة العمل مع كوبليان كي لا يُحرم من متع افتقدها.
كانت آلاف الليرات التي تُنفق عليه دافعاً الى زيادة ضعفه وهشاشته، ونتيجة لحرمانه لم يعارض مضيفه في ما عرضه عليه، وكان المطلوب منه حسب ما قاله، تهديد المصالح الأميركية لموقفها مع إسرائيل ضد لبنان، وضد العرب، ولما أعطاه خمسة آلاف ليرة – دفعة أولى – قال له خميس إنه مع النقود ولو ضد لبنان نفسه.
مفخّخات ومتفجّرات
أقام خميس في إحدى شقق بيروت، ينفق من أموال "موساد" على ملذاته، وتعهّده ضابط استخبارات إسرائيلي ينتحل شخصية رجل أعمال برتغالي اسمه "روبرتو"، يجيد التحدث بالعربية، فدربه على كيفية تفخيخ المتفجرات وضبط أوقاتها، وكذلك التفجير عن بعد، وأساليب التخفي والتمويه وعدم إثارة الشبهات.
كانت عملية إعداد العبوات الناسفة من مادة T.n.t شديدة الانفجار صعبة ومعقدة، تستلزم تدريباً طويلاً، خصوصا أن خميس لم يسبق له الالتحاق بالجيش ولا يملك أية خبرات عسكرية تختصر دروس التدريب.
في أولى عملياته التخريبية، أصدرت إليه الأوامر بتفجير السفارة العراقية في بيروت. سكت خميس ولم يعلق، فقد تحسس جيبه المتخم بالنقود. حمل حقيبة المتفجرات بعدما ضبط وقتها وتوجه إلى مبنى السفارة بهدوء وثقة، وغافل الجميع عندما خرج من المبنى من دون حقيبته التي تركها في الصالة الرئيسة خلف قطعة ضخمة، ووقف عن بعد ينتظر اللحظة الحاسمة.
نصف ساعة وملأ الحي دويّ الانفجار، قُتل تسعة بينهم خمسة لبنانيين. عاد خميس إلى شقته لاهثا يلفه الخوف والذعر، ولحق به روبرتو ليجده على هذه الحال، فصفعه بعنف قائلاً إنه يعرض نفسه بذلك للخطر.
وقف خميس مكانه ساكناً شاحباً، فيما انهالت عليه كلمات اللوم والتقريع والسباب، فالسيطرة عليه كانت مطلوبة عنفاً ولينا، ترهيباً وترغيباً، منحاً ومنعاً، وتلك أمور يجيدها خبراء السيطرة والالتفاف في أجهزة الاستخبارات، وهم أدرى الناس بكيفية التعامل مع الخونة والجواسيس، فهم يخضعون تصرفاتهم وردود أفعالهم وفقاً لنظريات علمية مدروسة ومحسوبة بدقة، وليس لمجرد هوى في النفس، فترويض الخونة في شبكات التخريب أمر بالغ التعقيد والصعوبة.
عندما أذاع التلفزيون حادث التفجير وملأت صور الضحايا والمصابين الشاشة، كان روبرتو يراقب خميس عن قرب، ويدرس تفاعلاته وانفعالاته، وكانت المسألة مجرد تدريب على وأد مشاعره وقتل أية محاولة للرفض أو التمرد، أو الندم.
قصدت إسرائيل من تفجير السفارة العراقية في بيروت إشعال الشقاق بين الدولتين وتأجيج الخلاف بينهما، فالعراق كان يسعى بشدة الى تقوية أواصر العلاقة بين لبنان والاتحاد السوفياتي، ويؤيد لبنان في خطواته نحو الاتجاه إلى الكتلة الشرقية. قصدت إسرائيل كذلك توجيه الاتهام إلى المقاومة، مما يفقدها التأييد اللبناني والمساندة.
نظراً الى ظروفه السيئة، أُغدقت الأموال على خميس فكفر بعروبته وتحول بعد مدة قصيرة إلى دموي يعشق القتل والدم، بل واستطاع تجنيد لبناني آخر اسمه جميل القرح كان يعمل مدرساً وطُرد من عمله لشذوذه مع تلاميذه الأطفال، فتصيّده خميس وجرّه إلى نشاطه التخريبي، وبارك روبرتو انضمامه للشبكة. لم يستغرق تدريبه وقتاً طويلاً، فبسبب خدمته في الجيش كان أكثر تفهماً لخطوات التدريب، كذلك أعمته "موساد" بالأموال أيضاً فغاص لأذنيه في التفجير والتخريب وقتل الأبرياء، فشكل الاثنان معاً شبكة إرهابية هزت عملياتها بيروت.
صواريخ السيّارات
في التاسعة من صباح الثلثاء 10 كانون الثاني ( ديسمبر) 1974 وبينما عدد كبير من موظفي مكتب منظمة التحرير في منطقة كورنيش المزرعة، يقومون بأعمالهم اليومية الاعتيادية، هزهم انفجار قوي، تبين أنه حدث في الطابق الأول من المبنى حيث معرض "ذبيان وأيوب" للمفروشات، وعثر رجال الأمن على سيارة فيات 132 بيضاء اللون تقف على الرصيف المواجه، ووجدوا على سطحها قاعدة لإطلاق أربعة صواريخ "آر . بي . جي" بلجيكية الصنع عيار 3.5 بوصة، مركّزة على لوح خشبي متّصل بأسلاك كهربائية انطلقت منها الصواريخ.
وسّع رجال الأمن دائرة التفتيش، فعثروا على بعد 65 متراً من السيارة الأولى، على سيارة ثانية من ماركة "فيات" أيضاً، وعلى سطحها صندوق خشبي آخر تخرج منه أسلاك كهربائية متصلة ببطارية السيارة.
أُخليت مكاتب المنظمة وسكان البناية، وقبيل مجيء خبير المفرقعات، شوهد الصندوق الخشبي يفتح أتوماتيكياً لتنطلق منه ستة صواريخ آر . بي . جي، أصابت مباشرة مكاتب المنظمة وتحطّم واجهاتها ومحتوياتها.
في الوقت نفسه تقريباً، تعرض مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير، والكائن بالطابق الثاني من بناية الدكتور راجي نصر، في شارع كولومباني المتفرع من شارع أنور السادات، لهجوم صاروخي مماثل، إذ انفجرت أربعة صواريخ دفعة واحدة، انطلقت من على سطح سيارة "أودي 180"، وعثر إلى جانبها على غليون خشبي، وأسفرت العملية عن تدمير القسم الأكبر من مكتبة المركز التي تضم أكثر من 15 ألف كتاب وإصابة الكثير من المواطنين والسيارات.
بعد مرور دقائق عدة من تلك الانفجارات، تعرض مكتب شؤون الأرض المحتلة في الدور الأول من بناية الإيمان لصاحبها جعيفل البنا، والكائنة في شارع كرم الزيتون، لهجوم رابع مماثل بأربعة صواريخ.
كان خميس ذا دور فاعل في التفجيرات الأربعة، يشاركه جميل القرح وثلاثة جواسيس آخرين استطاع القرح تجنيدهم وضمهم إلى الشبكة الإرهابية، وكان أسلوب منصات صواريخ السيارات أسلوباً جديداً لم تعرفه بيروت من قبل، أو أية عاصمة عربية أخرى.
لم يقف الأمر عند تفجير سفارة العراق ومكاتب المنظمات الفلسطينية، بل تعداه إلى ما هو أبعد بكثير، إذ طالت الانفجارات الكنائس والمساجد لإثارة الفتن بين الطوائف، وإظهار عجز رجال الأمن اللبناني عن اكتشاف الجناة، أو إحباط المؤامرات التي تحاك فوق الأراضي اللبنانية.
ولأسباب كثيرة، أولها أن الأجهزة اللبنانية ترى أن التعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية أمر معيب ومسيء لسمعتها، وثانيها، أن الدولة اللبنانية لا تزال تفضّل السياحة على الأمن، والسبب الثالث هو التأرجح ما بين دولة المساندة ودولة المواجهة. كانت شبكة خميس بيومي وشبكات تخريبية عدة أخرى تعمل في لبنان بحرية مطلقة، وينسل أفرادها من بين رجال الأمن كالرمال الناعمة، فأوقعت تلك الشبكات لبنان في مستنقع عميق، وتأزمت العلاقة مع الفلسطينيين بسبب اللامبالاة اللبنانية في مطاردة العملاء ومحاكمتهم.
في تلك الأثناء، كانت سلطات الأمن الفلسطينية ألقت القبض على بلجيكي، بعدما تأكد لها أنه جاسوس إسرائيلي، وأثناء التحقيق معه قامت القيامة واشتد الضغط اللبناني لإطلاق سراحه، فسلموه للسلطات الأمنية مع ملف يحتوي اعترافاته، ليطلقوا سراحه بعد 24 ساعة.
الأمن والهدنة
أما الذين سُمح للفلسطينيين بالتحقيق معهم، فقد اعترفوا اعترافات كاملة بأنهم عملاء لـ"موساد"، وثار الشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخلية اللبناني للملاحقة الفلسطينية الدؤوبة للجواسيس الأجانب، واشتدت الأزمة واستحكمت حلقاتها بعد موجة التفجيرات التي هزت لبنان كله، لدرجة توجيه نداء في الصحف يوم الجمعة 27 ديسمبر (كانون الأول) 1974 للذين يزرعون القنابل والصواريخ، أن يعلنوا الهدنة لمدة 48 ساعة تبدأ قبل رأس السنة بيوم واحد!!، تماماً كما حدث في بريطانيا سابقاً مع ثوار إيرلندا، وكتبت الصحف في لبنان أنه أمام عجز الدولة عن إلقاء القبض على أي متهم بزرع القنابل، لا مفر لديها من أن تلجأ إلى عاطفته الإنسانية، وترجوه أن يتوقف ليومين، أما إذا لم يستجب زارعو القنابل لرجاء الحكومة، فلا مانع من إعلان بيروت مدينة مفتوحة لمدة يومين، وليتحمل زارعو القنابل مسؤوليتهم أمام الضمير الإنساني، والتاريخ.
في التاسع من يناير (كانون الثاني) 1975، ألقى رجال الأمن الفلسطينيون القبض على خميس بيومي في شارع كورنيش المزرعة، عندما كان يرسم لوحة كروكية لأحد مباني المنظمة الفلسطينية، وأثناء التحقيق معه استخدم كل أساليب المراوغة والدهاء التي تدرب عليها، واحتاط لأيام عدة كي لا يقع في المحظور، لكن الاستجواب المطوّل معه أصاب مقاومته في الصميم، وتلاشت تدريجياً خطط دفاعاته وهم يلوحون له باستخدام طرق التعذيب معه لانتزاع الحقيقة، فاعترف بكل شيء، وقُبض على جميل القرح الذي مات بالسكتة القلبية قبلما يعترف بأسماء أعوانه الثلاثة الآخرين، أما روبرتو فقد اختفى ولم يُقبض عليه، وتسلمت السلطات اللبنانية بيومي وقدمته للمحاكمة وعوقب بعشر سنوات في السجن.
هارى بوتر1988
جاسوس في الميناء وجدته المخابرات المصرية... فمات منتحراً

من "بئر الخيانة"
السبت سبتمبر 27 2008

القاهرة - - يروي الكاتب المصري صلاح الامام اليوم في صحيفة "الجريدة" الكويتية قصة جاسوس جندته الاسخبارات الاسرائيلية لرصد ميناء الاسكندرية وما كان يدور فيه من نشاط. ويقول الامام: "كلنا يتذكر تفاصيل الفيلم السينمائي المثير "بئر الخيانة"، الذي قام ببطولته النجم نور الشريف، ويحكي قصة شاب مصري سلّم نفسه للمخابرات الإسرائيلية، ثم عاد إلى مصر وافتتح مكتباً للخدمات الملاحية اتخذه ساتراً للدخول إلى ميناء الإسكندرية في أي وقت، والتجوّل فيه بحريّة، بما في ذلك الرصيف العسكري غير المسموح للمدنيين بدخوله، وتمكنت المخابرات المصرية من رصده وتطويقه ثم القبض عليه، لكنه ابتلع سمًّا وانتحر، فقال ضابط المخابرات المصري الذي قام بدوره الفنان عزت العلايلي: عاش خائنًا... ومات كافراً.

الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية من ملفات المخابرات العامة المصرية، وبطلها الحقيقي شاب إسكندراني يدعى رجب عبد المعطي، ولد في حي القباري في الإسكندرية في 1 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1937، لكن كالعادة تستلزم الأعمال الدرامية تغييرا في أصل الموضوع، بالإضافة الى أن ذلك النوع من القصص تُحجب بعض تفاصيلها لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي، وقصة رجب الحقيقية هي التي نقدمها لقرائنا اليوم.

نشأ رجب في رغد من العيش، وحالة من الترف أصابته بشيء من الغرور، ففشل في الحصول على شهادة الثانوية العامة. كان والده يمتلك مكتباًا للخدمات البحرية، وعن طريق علاقاته تمكّن من إلحاق ابنه في وظيفة كاتب حسابات في ميناء الإسكندرية. استمر في تلك الوظيفة لأكثر من ثلاث سنوات، بعدها راودته حالة من التمرد، وبات يحلم بالسفر إلى الشاطىء الآخر لبحر الإسكندرية حيث بلاد اليونان التي سمع عنها كثيرا، وكم تمنى لو يعبر البحر إليها سباحة، ولما عارضه والده أصرّ على السفر مهما كانت النتائج، فلم يجد الأب بداً من الرضوخ أمام رغبة ابنه، على رغم يقينه أنه سيفشل وسيعود بالخسارة المبينة، وكان رجب يدرك ما يدور في رأس والده، لذا كان مصممًا على أن يثبت له عكس ظنّه.

في فندق متواضع في مدينة بيريه اليونانية، حطّ رجب رحاله، وقبل أن تنتهي نقوده التقى صدفة بأحد اليونانيين الذين لهم أعمال في الإسكندرية وربطته به علاقة عن بعد، وتمكن من النصب عليه والاستيلاء على مبلغ مالي منه، أخذه وهرب إلى أثينا، وفيها نزل في فندق متواضع للغاية ومرّ عليه قرابة الشهر من دون أن يجد عملا مناسبا، كان هناك المئات من الشباب المصري ينتشرون في المدينة ويعملون في أي شيء إلا هو كان يريد وظيفة تليق به، فقد كان يرى نفسه حالة نادرة تجمع بين العبقرية والخبرة، وبقي يحلم بالفرصة الذهبية التي ستصل إليه بين لحظة وأخرى.

ذات يوم كان رجب يتجول في أحد شوارع أثينا، فجمعته الصدفة بشاب مصري، من صعيد مصر يعمل في مصنع للعصائر، فعرض عليه أن يعمل معه، لكن رجب رأى أن تلك الوظيفة لا تليق بمقامه، فما كان من الشاب الصعيدي إلا أن نصحه بالعودة إلى مصر، كي لا تصطاده المخابرات الإسرائيلية ويقع في شباكها، لأنها نشطة جدا في اليونان وتتصيّد الشباب المصري، وتغريهم بالمال والنساء كي يعملوا معها ضد وطنهم.

عاد رجب إلى مكان إقامته في الفندق المتواضع يطارده شبح العودة الى مصر مكللا بالفشل، وتخيل شماتة والده وأهله وأصدقائه، وقطع عليه هواجسه وأفكاره صوت دقات على باب غرفته، كان موظف الحسابات جاء يطالبه بسداد فاتورة مصاريفه. كانت جيوبه خالية، فشعر وكأن الدنيا حلقة خاتم تضيق حول رقبته، فهداه تفكيره الى تصرّف جنوني، فطلب من موظف الفندق الانتظار حتى الصباح، ولما انصرف أمسك بورقة وقلم وكتب الآتي:

السيد المبجّل / سفير دولة إسرائيل في أثينا... أنا موظف مصري أقيم في فندق زفيروس، ضاقت بي الدنيا وظلمتني في الإسكندرية وفي أثينا، وقال لي البعض أنكم تمدون يد المساعدة لكل من يلجأ إليكم، وأنتم الملجأ الأخير إلي، فأرجو أن أنال عطفكم واهتمامكم... رجب عبدالمعطي... أثينا في 27/12/1967

ذهب رجب بنفسه الى السفارة الإسرائيلية وسلم رسالته لموظف الأمن، وقبل مرور ثلاثة أيام جاءه مندوب من السفارة الإسرائيلية إلى الفندق، واصطحبه الى مقر السفارة، وهناك أخذوا جوازه وأعطوه استمارة ليملأها بكل بياناته، وأسماء كل عائلته وأصدقائه ووظائفهم، وكل شيء عن حياته بالتفصيل، ولما وجدوا أنه عمل لفترة طويلة في ميناء الإسكندرية، طلبوا منه أن يكتب تقريرا مفصلا عن كل شيء في الميناء، فاستعرض إمكاناته في التقرير، فبدى لرجال "موساد" أنهم وقعوا على كنز، فقاموا بعدها في تسديد ديونه للفندق، ونُقل الى فندق فخم، وبدأ يتذوق حياة اللهو والمجون في أثينا، ورجال "موساد" يمدونه بالدولارات، من دون اتفاق على عمل فقد كان تحت الاختبار.

بعد أيام عدة زاره في الفندق أبو إبراهيم، وهو الاسم الحركي لضابط "موساد" الذي تكفل به، وأخبره أنه سيسافر إلى تل أبيب خلال أيام، وطلب منه أن يمر عليه في السفارة باكرا، لتجهيز رحلته، ثم دسّ في جيبه 400 دولار وانصرف.

رائد في جيش إسرائيل

تحت سلم الطائرة في مطار اللد الإسرائيلى كان في انتظاره ثلاثة رجال، في سيارة سوداء، سلكت منفذا خاصا للخروج، وأوصلوه إلى شقة من الشقق المخصصة لتدريب الجواسيس، حيث كانت في انتظاره فتاة تتكلم العربية، وقالوا له: إنها "زهرة" وسوف تظل في خدمتك طوال فترة إقامتك في تل أبيب، ثم تركوه ليستريح، وعادوا إليه بعد بضع ساعات، واصطحبوه إلى مبنى "موساد"، وهناك تعرض لجهاز كشف الكذب، وأعيد استجوابه ثانية عن كل المعلومات التي أدلى بها عن ميناء الإسكندرية، وبعدها أعلن نجاحه، وأقيمت حفلة استقبال صغيرة في إحدى قاعات مبنى "موساد"، مُنح خلالها رتبة رائد في جيش الدفاع الإسرائيلي، وبدأت الدورات التدريبية المكثفة له لإعداده للمرحلة المقبلة.

اجتاز رجب الدورات التدريبية الاسرائيلية بنجاح، وتقرر سفره الى الإسكندرية ليعاود نشاطه في شركة والده التي أفلست، على أن تمده اسرائيل بالمال اللازم لذلك، لكن عليه قبل تلك الخطوة أن يمكث أشهراً عدة في أثينا كي يتأكد أهله ومعارفه من نجاحه في اليونان، فعاد رجب بصحبة زهرة إلى أثينا، ليس في رأسه شيء سوى أمن إسرائيل وحمايتها من العرب المجرمين، واستأجرت له المخابرات الإسرائيلية شقة صغيرة في حي هاديء، وهيأت له أسباب العيش الهانئ، وعلموه كيف يتعامل مع المصريين الوافدين إلى اليونان، وكيف يتعاون في خدمتهم، وأيضا كيف يستخلص منهم المعلومات الخطيرة، فوطد علاقاته بهم، وكثرت خدماته لهم، وطارت سمعته إلى مسقط رأسه في الإسكندرية، فعرف أهله وجيرانه بقصة نجاحه، وكيف أصبح مقصدا لكل المصريين الذين يزورون اليونان. مر أكثر من عام على هذا الوضع، حتى سمح له أبو إبراهيم بالعودة الى الإسكندرية لإحياء شركة والده التي كانت تعمل في مجال الخدمات البحرية.

عاد رجب إلى الإسكندرية، وهو يعيش في دور الرجل الناجح، الذي قدم لأبناء بلده خدمات جليلة، وسوف يواصل خدماته لهم من على ترابها، وكان أول شيء فعله إعادة تجديد شركة رجب للخدمات الملاحية وتأثيثها، وجعلها تحفة فنية. مع بدايات عام 1971 كان رجب انتهى من تشطيب مقر الشركة وتجهيزه، فافتتحها من خلال حفلة كبيرة، حضرها إلى جانب الأهل والأصدقاء بعض المسؤولين، وصاحب ذلك حملة دعائية في الصحف. ساعدته المخابرات الإسرائيلية في أن يصبح وكيلا لعدد من الشركات العالمية. اتسعت الشركة وكثر عدد موظفيها، والتوكيلات تتدفق عليه عن طريق أصدقائه، وأصبح دخوله إلى ميناء الإسكندرية له صفة رسمية، ليس هذا فحسب، بل قويت علاقاته بعدد من المسؤولين به، ولأن مهمته الأساسية التي أرسل لها الى الإسكندرية هي ميناء الإسكندرية وكل ما يدور فيه، خصوصا كل ما يستجد على الرصيف العسكري، ولأن عمله في التوكيلات البحرية والشحن من الأعمال التي تتطلب أسئلة واستفسارات عن كل شيء في الميناء، فقد كان لا يثير أي شكوك. مرت أشهر وهو يواصل اتساعاته ونجاحاته المزعومة، وتعددت رسائله المشفرة عبر جهاز اللاسلكي المتطور المزود به، إلى أن وقعت حرب أكتوبر العظيمة عام 1973.

كانت الأمة العربية والإسلامية من أقصاها إلى أقصاها تطير فرحا وتموج رقصا وطربا، إلا شخص واحد ينتمي بالإسم إليها، هو رجب عبدالمعطي، الذي انكفأ على نفسه يبكي حزنا على أصدقائه اليهود، وكانت التعليمات القادمة إليه بعد الحرب أن يتابع دقيقة بدقيقة دخول السفن السوفياتية وخروجها في الميناء، وأصبحت زيارته الى الميناء يومية الى درجة بدأت تلفت الأنظار.

السقوط

على جانب آخر كانت رسائل رجب إلى روما كثيرة، للدرجة التي لفتت انتباه ضابط المخابرات المكلف مراقبة البريد الصادر إلى أوروبا، وعلى الفور اكتشف أمر الرسائل المشفرة، وبعدها قام جهاز المخابرات المصرية بوضع كل تحركات رجب وعلاقاته وأعماله واتصالاته تحت أعين رجال المخابرات.

كانت أدلة إدانة رجب فوق الحصر، ولم تضيّع المخابرات وقتاً، فقُبض عليه صباح 13 كانون الثاني (يناير) 1975 في مكتبه، والطريف أن رجال المخابرات وهم في مكتبه يفتشونه وصل ساعي البريد برسالة إليه، ولما فتحوها وطلبوا منه فك شفرتها، وجدوا أنها من المخابرات الإسرائيلية، حيث كانوا يطلبون منه أن يسافر إلى أثينا في 1 مارس (آذار).

في مبنى المخابرات العامة المصرية في القاهرة، خضع رجب لاستجواب عنيف، وأدلى باعترافات خطيرة، وأُحيل لمحاكمة عسكرية، وجاء في قرار الإحالة: أن المذكور باع نفسه ووطنه للعدو مقابل المنفعة المادية، وأمد العدو بمعلومات عسكرية واقتصادية تضر بأمن الدولة ومصلحة البلد، وارتضى لنفسه أن يحمل اسما يهوديا، وجواز سفر يهودياً، ورتبة عسكرية يهودية، وتخابر مع دولة معادية بقصد الإضرار بالعمليات الحربية لمصر، وتخابر مع دولة أجنبية لتسليمها سرا من أسرار الدفاع عن البلاد، وحكمت المحكمة عليه بالإعدام شنقًا.

أثناء انتظار حكم الإعدام، لقي رجب في السجن أسوأ معاملة من زملائه المسجونين من المجرمين على اختلاف جرائمهم، فقد كانت جريمته منفرة ومخزية، وكم من مرة حاولوا الفتك به لولا تدخل الحرس. عُزل، فانكفأ على نفسه يجتر ذكرياته، ومضت أسابيع عدة عليه وهو لا يتكلم، حتى دخل عليه السجان ذات يوم فوجده غارقا في بركة من الدماء وجسده هامداً. لقد استخدم الخائن إحدى عدسات نظارته الطبية وقطع بها شرايين يده، فقال مأمور السجن ساعتها: عاش خائناً.. ومات كافراً".
هارى بوتر1988
أحد أشهر عمليات المخابرات على المستوى المصري – الإسرائيلي وربما على المستوى العالمي أيضا، جرت العملية في أوائل الخمسينيات في مصر بعد قيام ثورة يوليو 1952، يطلق عليها أيضا "فضيحة لافون" في إشارة إلى بنحاس لافون وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق غير أن الإسم الحقيقي للعملية هو "سوزانا".
تم التخطيط للعملية بحيث يقوم مجموعة من الشباب الإسرائيلي المدرب بتخريب بعض المنشأت الأمريكية الموجودة في مصر بهدف زعزعة الأمن المصري وتوتير الأوضاع بين مصر والولايات المتحدة.

الخلفية السياسية لوضع اسرائيل عام 1954.

كان بن جوريون أحد أشهر الشخصيات الإسرائيلية وزيرا للدفاع ورئيسا للوزراء وفي هذا العام أستقال بن جوريون من رئاسة الوزارة ووزارة الدفاع، وتوجه الى الاستيطان في كيبوتس (مستوطنة) سد بوكر في النقب.
وجاء بدلا منه موشي شاريت في رئاسة الوزراء وبنحاس لافون في وزارة الدفاع، في الوقت الذي أصبح وضع اسرائيل دوليا في منتهى التعقيد، فالاتحاد السوفييتي أصبح دولة عظمى معادية، وبريطانيا على وشك سحب قواتها المرابطة في منطقة السويس، والادارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس ايزنهاور تنكرت جزئيا لاسرائيل، على أمل فتح قنوات جديدة مع النظام المصري بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر.
وكان الإعتقاد السائد لدى إسرائيل في هذا الوقت هو أن الدول العربية لن تلبث أن تعمل على الانتقام لكرامتها المهدورة في حرب 1948، وستستعد لحرب جديدة ضد اسرائيل، ولذلك فمن الأفضل توجيه ضربة وقائية لمصر قبل أن تتسلح بالعدة والعتاد.
وبناء على هذا الإعتقاد وضعت المخابرات العسكرية في الجيش الاسرائيلي – وهي المختصة بتفعيل شباب اليهود - خطة للتخريب والتجسس في مصر تقوم باعتداءات على دور السينما والمؤسسات العامة، وبعض المؤسسات الأمريكية والبريطانية، وكان الأمل معقودا على أن تؤدي هذه الأعمال الى توتر العلاقات المصرية الأمريكية، وعدول بريطانيا عن اجلاء قواتها من السويس.
وبالفعل تم تشكيل المجموعة وأطلق عليها الرمز (131) وتم تعيين المقدم موردخاي بن تسور مسؤولا عن الوحدة عام 1951، وكان بن تسور هو صاحب فكرة انشاء شبكات تجسس في مصر، ولذلك قام بتجنيد الرائد "أبراهام دار" الذى ارتحل على الفور إلى مصر ودخلها بجواز سفر لرجل أعمال بريطاني يحمل اسم "جون دارلينج".

فضيحة لافون (عملية سوزانا2)
بداية العملية:

عبر اللاسلكي أرسل إلى الخلية في مصر برقية توضح أسلوب العمل كالتالي:
"أولا:
العمل فورا على الحيلولة دون التوصل إلى إتفاقية مصرية بريطانية.
الأهداف:
المراكز الثقافية والإعلامية
المؤسسات الإقتصادية
سيارات الممثلين الدبلوماسيين البريطانيين وغيرهم من الرعايا الإنجليز
أي هدف يؤدي تدميره إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا
ثانيا:
أحيطونا علما بإمكانيات العمل في منطقة القناة
ثالثا:
استمعوا إلينا في الساعة السابعة من كل يوم على موجه طولها (g) لتلقي التعليمات...
وفيما بعد أتضح أن الموجه (g) هي موجة راديو إسرائيل وأن السابعة هي الساعة السابعة صباحا وهو موعد برنامج منزلي يومي كانت المعلومات تصل عبره يوميا إلى الشبكة .. وعندما أذاع البرنامج طريقة "الكيك الإنجليزي" كانت هذه هي الإشارة لبدء العملية..!!
وفي يوم الأربعاء الثاني من يوليو 1954، أنفجرت فجأة ثلاثة صناديق في مبنى البريد الرئيسي في الاسكندرية ملحقين أضراراً طفيفة وعثرت السلطات المصرية على بعد الأدلة عبارة عن:
- علبة اسطوانية الشكل لنوع من المنظفات الصناعية كان شائعا في هذا الوقت أسمه "فيم".
- جراب نظارة يحمل أسم محل شهير في الإسكندرية يملكه أجنبي يدعي "مارون أياك".
وكان من تولى التحقيقات هو الصاغ ممدوح سالم وزير الداخلية فيما بعد ثم رئيس الوزراء ثم مساعد رئيس الجمهورية!
وبعد الفحص تبين أن العلبة الإسطوانية كانت تحتوى على مواد كيميائية وقطع صغيرة من الفوسفور الأحمر، ولأن الخسائر لم تكن بالضخامة الكافية فقد تجاهلت الصحافة المصرية الموضوع برمته.
وفي الرابع عشر من يوليو انفجرت قنبلة في المركز الثقافي الأمريكي (وكالة الإستعلامات الأمريكية) في الاسكندرية. وعثر في بقايا الحريق على جراب نظارة مماثل لذلك الذى عثر عليه في الحادث الأول، غير أن السلطات المصرية رأت أن الشبهات تنحصر حول الشيوعيين والأخوان المسلمين. وبرغم أن الصحافة لم تتجاهل الموضوع هذه المرة لكنها أشارت إلى الحريق بإعتباره ناتج عن "ماس كهربائي"!.
وفي مساء اليوم نفسه أنفجرت قنبلة آخرى في المركز الثقافي الأمريكي بالقاهرة وعثر على جرابين من نفس النوع يحتويان على بقايا مواد كيميائية.
وفي الثالث والعشرين من يوليو (الذكرى السنوية الثانية للثورة) كان من المفترض وضع متفجرات في محطة القطارات ومسرح ريفولي بالقاهرة وداري السينما (مترو وريو) في الاسكندرية، غير أن سوء الحظ لعب دوره وأشتعلت إحدى المتفجرات في جيب العميل المكلف بوضع المتفجرات بدار سينما ريو فأنقذه المارة ولسوء حظه تواجد رجل شرطة في المكان تشكك في تصرفاته فاصطحبه إلى المستشفى بدعوى إسعافه من أثار الحريق وهناك قال الأطباء أن جسم الشاب ملطخ بمسحوق فضي لامع وأن ثمة مسحوق مشابه في جراب نظاره يحمله في يده ورجح الأطباء أن يكون الاشتعال ناتج عن تفاعل كيميائي.
وبتفتيش الشاب عثر معه على قنبلة آخرى عليها أسم "مارون أياك" صاحب محل النظارات. وتم إعتقاله،
وقال أن أسمه فيليب ناتاسون يهودي الديانه وعمره 21 عام وجنسيته غير معروفه، وأعترف بأنه عضو في منظمة إرهابية هي المسئولة عن الحرائق.
وعثر في منزله على مصنع صغير للمفرقعات ومواد كيميائيه سريعة الإشتعال وقنابل حارقة جاهزة للإستخدام وأوراق تشرح طريقة صنع القنابل.
وبناء على أعترافات ناتاسون تم القبض على كل من:
فيكتور موين ليفي مصري الجنسية يهودي الديانة يبلغ من العمر 21 عام مهندس زراعي.
روبير نسيم داسا مصري المولد يهودي الديانة يبلغ من العمر 21 عاما يعمل في التجارة.
وأمام المحققين أصر الثلاثة على أنهم يعملون بشكل فردي دون محرضين أو ممولين، أم الأسباب فهي "حبهم لمصر ومساهمة في قضيتها الوطنية ولكي يعرف الإنجليز والأمريكان أنهم سيخرجون من مصر بالقوة والإرهاب!!".
وحينما سؤلوا: لماذا أحرقتم مبنى البريد وهو ملك المصريين .. لم يجدوا جوابا!
وقبل أن تنتهى التحقيقات جاء تقرير للمعمل الجنائي يثبت العثور على شرائح ميكروفيلم في منزل فيليب ناتاسون، وثبت فيما بعد أن هذه الشرائح دخلت مصر قادمة من باريس بالتتابع بأن لصقت على ظهور طوابع البريد!
ولأن الميكروفيلم كان أعجوبة هذا العصر وكان قاصرا فقط على أجهزة المخابرات وشبكات التجسس فقد بدأت شبهة التجسس تحوم حول العملية.
وبعد تكبير الشرائح، بوسائل بدائية، أتضح أنها تحتوى على سبع وثائق عن تركيب وأستعمال القنابل الحارقة إضافة إلى شفرة لاسلكي وأشياء آخرى.

فضيحة لافون (عملية سوزانا3)

وبمواصلة التحريات تم القبض على:
صمويل باخور عازار يهودي الديانة يبلغ من العمر 24 عام مهندس وهو مؤسس خلية الإسكندرية وزعيمها لبعض الوقت قبل أن يتنازل عن الزعامة لفيكتور ليفي الذي يفوقه تدريبا.
ومن أعترافات عازار وصلت السلطات إلى ماير موحاس ذو الأصل البولندي وهو يهودي الجنسية عمره 22 عام يعمل كوسيط تجاري (مندوب مبيعات).
وكان أخطر ما أعترف به موحاس هو إشارته إلى جون دارلينج أو ابراهام دار الذى اتضح فيما بعد أنه قائد الشبكة ومؤسس فرعيها بالقاهرة والإسكندرية وأحد أخطر رجال المخابرات الإسرائيلية في ذلك الوقت.
كما كشف ميوحاس عن الطبيب اليهودي موسى ليتو وهو طبيب جراح وهو مسؤول فرع القاهرة، وتم القبض عليه ومن أعترفاته تم القبض على فيكتورين نينو الشهيرة بمارسيل وماكس بينيت وإيلي جاكوب ويوسف زعفران وسيزار يوسف كوهين وإيلي كوهين الجاسوس الشهير الذى أفرج عنه فيما بعد.
وأعدت النيابة قرار الإتهام كالتالي:
1- إبراهام دار (جون دارلينج) ضابط بالمخابرات الإسرائيلية – هارب – مؤسس التنظيم
2- بول فرانك – هارب – المشرف على التنظيم
3- ماكس بينيت حلقة الإتصال بين الخارج والداخل
4- صمويل عازار مدرس بهندسة الإسكندرية مسؤول خلية الإسكندرية في البداية
5- فيكتور مويز ليفي مسؤول خلية الإسكندرية عند القبض عليه
6- د. موسى ليتو مرزوق طبيب بالمستشفى الاسرائيلي مسؤول خلية القاهرة
7- فيكتورين نينو الشهيرة بمارسيل مسؤولة الاتصال بين خلايا التنظيم
8- ماير ميوحاس مسؤول التمويل في خلية الاسكندرية
9- فيليب هرمان ناتاسون عضو
10- روبير نسيم داسا عضو
11- إيلي جاكوب نعيم عضو
12- يوسف زعفران عضو
13- سيزار يوسف كوهين عضو
بعد الفضيحة
في أعقاب سقوط الشبكة في مصر وما صاحبها من دوي عالمي أصدر موشي ديان رئيس الأركان في ذلك الوقت قرارا بعزل مردخاي بن تسور من قيادة الوحدة 131 وتعيين يوسي هارئيل بدلا منه فما كان من الأخير الا أن اتخذ أحد أكثر القرارات غرابة في تاريخ المخابرات بأن استدعى جميع العملاء في البلاد العربية وأوقف جميع النشاطات.

المحاكمة:

في الحادي عشر من ديسمبر عام 1954 جرت محاكمة أفراد الشبكة في محكمة القاهرة العسكرية التي أصدرت أحكامها كالتالي:
الإعدام شنقا لموسى ليتو مرزوق وصمويل بخور عازار (تم تنفيذ الحكم في 31 يناير 1955).
الأشغال الشاقة المؤبدة لفيكتور ليفي وفيليب هرمان ناتاسون.
الأشغال الشاقة لمدة 15 سنة لفيكتورين نينو وروبير نسيم داسا.
الأشغال الشاقة لمدة 7 سنوات لماير يوسف زعفران وماير صمويل ميوحاس.
براءة إيلي جاكوب نعيم وسيزار يوسف كوهين.
مصادرة أجهزة اللاسلكي والأموال وسياراة ماكس بينيت.
وتجاهل الحكم ماكس بينت لأنه كان قد أنتحر في السجن!، وأعيدت جثته لاسرائيل بعد ذلك بأعوام.

فضيحة لافون (عملية سوزانا4)

في أعقاب المحاكمة حاولت إسرائيل استرضاء مصر للإفراج عن التنظيم بعد أن وصل الشارع الإسرائيلي الى مرحلة الغليان، والعجيب أن الولايات المتحدة وبريطانيا اشتركتا في هذا الطلب فقد بعث الرئيس الأمريكي ايزنهاور برسالة شخصية الى الرئيس عبد الناصر يطلب الإفراج عن المحتجزين "لدوافع إنسانية" وبعث أنتوني إيدن وونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني ومسؤولين فرنسيين بخطابات وطلبات مماثلة غير أنها جميعا قُوبلت بالرفض المطلق.
وقالت وكالة الأنباء الإسرائيلية وقتها أن "هذا الرفض يعد صفعة على أقفية حكام الغرب ويدل على أن مصر تمضي في طريقها غير عابئة بغير مصلحتها".
وفي 31 يناير 1955 تم تنفيذ حكمي الإعدام في موسى ليتو مرزوق (دُفن بمقابر اليهود بالبساتين) وصمويل بخور عازار (دُفن بمقابر اليهود بالإسكندرية) وعلى الفور أعلنهما موشي شاريت "شهداء".. ووقف أعضاء الكنيست حددا على وفاتهما وأعلن في اليوم التالي الحداد الرسمي ونكست الأعلام الإسرائيلية وخرجت الصحف بدون ألوان وأطلق أسما الجاسوسين على شوارع بئر سبع.
وأستمرت الفضيحة في إسرائيل..
فقد أتضح أن موشي شاريت رئيس الوزراء لم يكن على علم بالعملية على الإطلاق!، وكان لابد من كبش فداء وأتجهت الأنظار الى بنحاس لافون وزير الدفاع الذى أنكر معرفته بأى عملية تحمل أسم "سوزانا"! .. وتم التحقيق معه لكن التحقيق لم يسفر عن شئ.
وأستقال بنحاس لافون من منصبه مجبرا وعاد بن جوريون من جديد لتسلمه، كما عزل بنيامين جيلبي مسئول شعبة المخابرات العسكرية ليحل محله نائبه هركافي.
وفي بداية عام 1968 تم الافراج عن سجناء القضية ضمن صفقة تبادل للأسرى مع مصر في أعقاب نكسة يونيو.
وأستقبلوا في إسرائيل "إستقبال الأبطال" وحضرت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بنفسها حفل زفاف مرسيل نينو بصحبة وزير الدفاع موشي ديان ورئيس الأركان.
وتم تعيين معظم هؤلاء الجواسيس في الجيش الإسرائيلي كوسيلة مضمونة لمنعهم من التحدث بشأن القضية.
وبعد 20 سنة من أحداث عملية سوزانا ظهرت مارسيل نينو وروبير داسا ويوسف زعفران للمرة الأولى على شاشة التلفزيون الإسرائيلي وهاجموا الحكومات الإسرائيلية التى لم تكلف نفسها عناء البحث عن طريقة للإفراج عنهم!!.



اسم العضو:
سؤال عشوائي يجب الاجابة عليه

الرسالة:


رابط دائم
مواضيع مشابهة:
صور أشهر قطة فى العالم Colonel Meowحيث تداولته اليوم اشهر صحف العالم
اشهر نافورة فى العالم
بالصور شاهد اشهر جسر فى العالم
اشهر مدونة في العالم العربي
بو ... اشهر كلب في العالم
لا تنسى تسجيل اعجابك

احدث مواضيع المنتدى
جميع الحقوق محفوظة © nmisr.com نجوم مصرية